لقد رصدوا أنفسهم للتأثير في الحياة، ولم تكن لهم آمال شخصية، ولذلك استطاعوا إعزاز الإسلام، فقبس لهم الإسلام من عزته.
وتملأ ميتة مصعب بن عمير رضي الله عنه نفس الداعية موعظة حتى ليكاد أن يشرق باللقيمات قبل أن يقلقه التنعم والبطر.
ففي صحيح البخاري: (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطى رأسه، بدت رجلاه، وإن غطى رجلاه، بدا رأسه) قال الراوي: (وأراه قال وقتل حمزة وهو، خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) [1] .
هكذا ميتة الفتى الذي كانت تدلله أمه وتلبسه ثواب الحرير مرة واحدة تستبدله بغيره إذا اتسخ، لا تغسله.
آمن لما عرف الحق، فتجرد.
وبقلة يقتدون يتجرده تستطيع الدعوة أن تغير مجرى الحياة، ولكن الدعاة اليوم يطمعون، فيكسلون!
إن التحديات المنتصبة أمام الدعوة لكبيرة حقا، والمعركة دائبة، ولا أمل إلا بإحياء السمت القديم الأول.
وتعجب حقا لدعاة تراهم في كل بلد، يستطيعون الجلوس إلى بعضهم طويلا، ويتبادلون التحاب، تغمرهم رحاب التآخي، والصراع من حولهم مستعر، ولو أنهم التقوا سراعا لقاء التناصح والتواصي، ثم نفروا يعلمون الناس ويتجولون، لكان خيرًا لهم، ولكانت دعوتهم أظهر.
فيستحضر موت المعتمد بن عباد رحمه الله، الذي حكم الأندلس دهرًا، كأعز ما تكون الملوك، ولما عزله المرابطون ونفوه إلى أقاصي مراكش ومات: ما زاد الناس في التنادي للصلاة على جنازته غير قولهم: (الصلاة على الغريب) [2] .
وللعاقل في ذلك عبرة، وذو القلب الحي يشعر بغربته في هذه الدنيا قبل النداء عليه، ويدرك أن:
الناس في هذه الدنيا على سفر وعن قريب بهم ما ينقضي السفر
(1) صحيح البخاري 2/ 93.
(2) نفح الطيب 5/ 356.