فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 4219

(دخل على أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدًا، إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها؟

فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا.

يا بني: إن قومك قد شدوا هذا المر عقدة عقدة، وعرورة عروةن ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم: لم آمن أن يفتقوا على فتقا يكثر فيه الدماء. والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة؟) [1] .

هكذا ... إذ المهم أن تكون هناك نية جازمة، وسير وإحلال للخير والسنن، وأما مقدار ذلك فتحدده الظروف وردة الفعل المعاكسة، ولا بد من تكيف للمحيط، ولابد من مرونة تمتص الصدمات المحتملة.

وضع سيد قطب رحمه الله ثلاثة شروط لتقدم الجماعة الإسلامية فتوقع أن:

(تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس منعها تارة، وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة، بقدر ما تبذل من الجهد، وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال، وقبل كل شيء: بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي) [2] .

فأما بذل الجهد فيجب أن يكون بحجم الحاجة، وما مناسبة الزمان والمكان إلا كناية عن وعي تفصيلي وتخطيط دقيق، وتمثيل حقيقة المنهج في الواقع السلكي لا يكون إلا بتحول العواطف المجردة والحماسة الطارئة إلى تربية راسخة.

لكن الماشي في الصحراء سريع الملل، ما لم ير نورًا يسليه ويزيل وحشته، وما هذه الآراء، إلا بارقة أمل تدفع نحو العمل الجاد، ولقد امتلأت حواضر الإسلام اليوم بدعاة رجاة تفخر بهم الأمة، وحق لذلك أن نرتاد لهم ونكشف المزيد من ربوع الرجاء.

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي/240.

(2) هذا الدين/8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت