وجملة القول: أن في الوعظ مسا يجرح إحساس الموعوظ، وحرجًا قد يحمله على النفور من سماعه والاستنكاف من قبوله، فإذا كان الداعي حكيمًا فذكر ما في المخاطب من فضل، وما له من منزلة، ثم أرشده إلى الخير، وحذره عن الشر، مع حسن الفراسة ومعرفة حال المخاطب، واستعمال الرفق واللين والتلطف حمله ذلك على التخلي عما هو فيه من ضلال وشقاء، وأقبلت نفسه على التحلي بما يدعوه إليه من هدىً وسعادة، كما يقبل الجريح على من يضمد جراحه، ويسكن آلامه، وينقذه من تعب المرض إلى راحة السلامة، فهذا شيء من هداية الكتاب الحكيم لنا، وكله هدىً ورحمة.
لا تكن يائسا .. فالمستقبل لدين الله والعزة لأوليائه.
إن من رأى تفشي المنكرات، واستفحال الشر، وتبجح الأعداء، ووطأة الجاهلية يظن أننا مهما عملنا فلن نغير من الواقع شيئا، ولن نجني إلا هباء، فليس من وراء السعي فائدة. فإذا به متجهم الوجه عاقد الحاجبين مقطب الجبين رافعًا راية:"لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر"، إذا طلب منه خدمة للدين ـ ولو بكلمة ـ رد عليك: أنت تؤذن في خراب، لا أحد يسمع قولك، أنت تنفخ في قربة مقطوعة وغيرها من عبارات:
تصدا بها الأفهام بعد صقالها .... وترد ذكران العقول إناثًا
إن مما لا شك فيه أن حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم هي حقائق الغد، والضعيف لا يظل ضعيفا أبد الآبدين، والقوي لا يظل قوي أبد الآبدين، (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5 - 6) .