فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 4219

وأيضًا التعريض لا تُنتَهَك به سُجف الهيبة، ولا يرتفع معه ستر الحشمة، أما صريح التوبيخ والتقريع الشديد العنيف، فقد يورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار والبقاء على ما لِيم عليه، لا سيما النفوس المنطوية على الكبر.

وقد وضع الإمام الشافعي - رحمه الله _ أصول القاعدة قديما حين قال:

تغمدني بنصحك في انفرادِ ... وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تُعط طاعة

يقصد إذا خالفتني ونصحت الإنسان أمام الناس فلا تجزع فسوف يجابهك هذا، وينتقم لنفسه، وقد تأخذه العزة بالإثم فإن النصيحة على الملأ فضيحة.

حسن الفراسة

أن يكون لداعية فراسة يتوسم بها حال السامعين ليعرف مبلغ طاقتهم وقدر استحقاقهم وإقبالهم على الانتفاع، ليعطيهم ما يتحملون، ويمسك عما لا يطيقون ويوجز إذا خشى الانصراف أو رأى عليهم مللًا وسآمة. ومن الحكم المأثورة: من لم ينشط لكلامك فارفع عنه مئونة الاستماع منك.

وإذا كان المرشد بهذه الصفة لم يضع له عناء ولم يخب على يديه أحد، وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم كانوا وإياه في عناء مُكِد، وتعب غير مجد؛ فإنه لا يعدم أن يكون منهم ذكي محتاج إلى الزيادة وقاصر يكتفي بالقليل، فيضجر الذكي ويعجز القاصر، ومن تردد أصحابه بين عجز وضجر ملوه وملهم.

وقد حكى عبد الله بن وهب أن سفيان بن عبد الله قال: قال الخضر لموسى عليهما السلام: يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، يا موسى واعلم أن قلبك وعاء، فانظر ما تحشو في وعائك.

وجلس ابن السماك يومًا للوعظ وجاريته تسمع كلامه، فقال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: هو حسن لولا أنك تردده، فقال: أردده كي يفهمه من لم يفهمه. فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه.

وعلى الجملة فخير المرشدين الفطن الذي لا يقل ولا يمل.

خاتمة القول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت