واجتمعت قريش وغطفان ويهود في الأحزاب ضد نبي الله محمد - صلى الله عليه وسلم - وقلة المؤمنين معه، فكادوا ودبروا لاستئصال شأفة المؤمنين حتى بلغت قلوب المؤمنين الحناجر، وأرجف المنافقون في المدينة، فجاءت {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ، فدبر ربنا - سبحانه - وقدّر، وارتحل الأعداء منهزمين، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» .
وهكذا تجري الأقدار ولا يعرف الناس في أيٍّ الخير، فلربما شُدّد على الدعوات، ومُلئت السجون بالدعاة، وأُلجم الناصحون فكان في ذلك كل الخير، فزاد عدد المنتمين للدعوة، وكثر أنصارها وقد ظن ضعفاء النفوس أن لن تقوم لها قائمة، وإنما يحصل هذا {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال: 44] ، وإنما الخير فيما يقدره الله {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
والذي يجب بعد هذا هو أن نعلم أن البلاء والرخاء جولات ينبغي أن تجعلنا حريصين على إعداد العدة وقت الشدة؛ لتنطلق الدعوة في أوقات السعة والرخاء وتتقدم، وأن نأخذ من السنوات السمان للسنوات العجاف، ونوقن أن الله يأبى {إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] .
رمضان 1423هـ * نوفمبر-أكتوبر 2002م
في غمرة انشغال الداعية في أعماله الدعوية، يحصل لديه ـ أحياناً ـ قصور في تزكية نفسه، ومحاسبتها، وربما تسلل إلى قلبه آفات قادحة في عمله وإخلاصه، مفسدة لقلبه، قد يشعر بها وينشغل عن علاجها، وقد لا يشعر بها أصلاً.
ومن الأمراض السريعة الفتّاكة بالنية: العُجْبُ، وما ينتج عنه من الغرور والكبر.
(1) عبد الحكيم بن محمد بلال