(ولو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة: لم ييأس من الجنة. ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب: لم يأمن من النار) [1] .
ويأخذ يرجو لنفسه الخير إذا رأى نعمة الله عليه في الإسلام، وأنه أحسن حالا من الكافر وأولى بأن لا يطرقه اليأس، ثم ينتبه إلى نقصان حاله عن كمال الإيمان، فيظل لا يجزم لنفسه بالأمن.
(الصفة الثانية) : ذوق حلاوة الإيمان:
كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقي في النار) [2] .
فحب الله أول موارد هذه اللذة، وهو أصل إيماني ثابت كررت ذكره الآيات، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) ، وإذا كان هذا الحب من العباد: تكرم سبحانه عليهم بحب مقابل، كما قال عز وجل: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، ولذلك جمع الله تعالى هذين الحبين المتقابلين، فأنبأ عن نفسه وعنهم، أنه وإنهم: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) .
وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- مكمل لحب الله تعالى، ولا نشهد لمن تجرد عنه بإيمان، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (فو الذي نفسي بيده: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) [3] .
وينمو هذا الحب بكثرة ما نتلقن من فضائل النبي -صلى الله عليه وسلم- وشمائله وأخلاقه، وبكثرة ما نقرأ من صفحات الحديث، وتلك هي التربية التي نعنيها.
الاختيار إنما هو اختيار واحد، وقد تجنح النفس إلى اختيارات هابطة تزاحم هدفها السامي، إلا أن التقاء الهدفين محال، وسد الشاعر طريق التقائهما لما أخبرنا أن:
الهوى الدنيوي والهدف العلوي في النفس ليس يلقيان
(1) صحيح البخاري 8/ 123.
(2) صحيح البخاري 8/ 13.
(3) صحيح البخاري 1/ 12.