فهرس الكتاب

الصفحة 3834 من 4219

د. فتحي يكن

قطوف دعوية من حقل التجارب الإسلامية

كَتبتُ وكَتبَ الكثيرون عن العمل الإسلامي الجماعي .. عن وجوبه وضرورته، وأنه السبيل الوحيد لاستنهاض الأمة، وعودتها إلى ممارسة دورها الرسالي في هداية البشرية وقيادتها إلى الطريق السوي، وإخراجها من الظلمات إلى النور.

وكان يؤكد دائماً أن القاعدين عن العمل الجماعي متخلفون عن الركب، راضون بالحياة الدنيا من الآخرة، فارّون من الزحف، معطّلون لفريضة الجهاد، وأنهم بذلك آثمون يتحمّلون وزر قعودهم وتخلّفهم هذا.

وكنتُ أذكر يومها - وكان ذلك في الخمسينيات والستينيات - أن الوافدين إلى ساحة العمل كانوا يعملون، وكان لكل منهم دور بحسب طاقاته وإمكاناته، وكنا نفهم آنذاك أن العمل الجماعي هو مجموع الأدوار والمهمات الفردية للأعضاء.

كان التركيز يومها على أن العمل للإسلام تكليف رباني، يطول الأفراد فرداً فرداً، وأن التنظيم إنما هو مفعّل لهذه الأدوار الفردية، مصنّف ومخطط لها، وموجّه إياها في جوانب العمل المختلفة .. فالجميع يعمل والجميع على ثغرة من ثغرات العمل، وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

مناهج التربية عبر"المحاضن الدعوية الحركية"كانت تركّز على ذلك، على"دور الفرد"في تربية نفسه وأهل بيته .. وعلى مسؤوليته في نشر دعوته في محيطه ومجتمعه، وعلى قيامه بالواجبات المناطة به بحسب الخطط الموضوعة، والسياسات المرسومة.

كان هذا قائماً يوم لم يكن هنالك ما يسمى (صحوة إسلامية) .. يوم كان الإسلام في قفص الاتهام ..

وكان الإسلاميون قلة، والدعاة نذراً يسيراً لو عدّهم العادّ يوم ذاك - وعلى امتداد العالم الإسلامي - لأحصاهم.

هكذا انطلقت ورشة العمل الجماعي، بأدوار الجميع وبجهود الكل على تواضعها، صادقة مع الله، مخلصة لله، مضحية بكل شيء، مستعذبة الموت في سبيله، معتلية أعواد المشانق، فرحة بلقاء الله، هتافها: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، وشعارها:

إن حيينا فعلى مجد أثيل أو فنينا فإلى ظل ظليل

حسبنا أنا سنقضي شهداء

ولما تغيّر الحال، وجاءت المنحة بعد المحنة، وسقطت رايات الجاهلية، واختفت معظم الحركات الظلامية عن ميادين العمل .. كان ذلك إيذاناً ببداية صحوة إسلامية عمّت أرجاء العالم، وأعقبها انهيار الفكر القومي، والاشتراكي، والشيوعي، وغيره.

إنما لم يأت هكذا من فراغ، أو بدون دفع ثمن، فلقد بذل رجال الحركة الإسلامية دماءهم رخيصة في سبيل الله، وهم واثقون بأن إخوانهم من بعدهم منتصرون، وأنهم هم الغالبون.

أو لم ينظم أحدهم هذه الأبيات وهو في طريقه إلى المشنقة؟:

أخي ستبيد جيوش الظلام ويشرقُ في الكونِ فجر جديد

فأطلق لروحك أشواقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد

فهل كنا على مستوى هذه النعمة؟

الكلام يطول .. إنما أريد أن أبقى ضمن دائرة العنوان المحدد"الدور الفردي في العمل الجماعي".

-ماذا أصاب هذا الدور؟

-لماذا تراجع وانحسر، بل وتعطل الدور الفردي في نطاق العمل الجماعي؟

-لماذا قلة مستهلكة وكثرة متفرّجة، أو معرقلة ومثبطة؟

-هل يعود السبب إلى القلة الممسكة بمقاليد الأمور، التي لا تشجع المبادرات الفردية، بل قد تردها؟

أم يعود إلى الكثرة التي مات لديها الحس الذاتي بالمسؤولية لاختلاطات كثيرة: كضعف المنهج التربوي، وعدم تطويره ليفي بحاجات المرحلة الجديدة ومتطلباتها، مرحلة الصحوة، ولعدم وجود المشروع المتكافئ مع طبيعة المرحلة ومستجداتها؟

أسئلة كثيرة مطروحة في وجوهنا - قيادة وأفراداً - تنتظر إجابات محددة وواضحة، وحلولاً ناجحة وليس لأحد أن يعفي نفسه من المسؤولية!

من الملامح والآثار المرضية لهذه الظاهرة:

-تكدس الأعمال والأعباء فوق كاهل عدد من الأشخاص واستحالة قيامهم بها على الوجه الصحيح.

-تكاثر الأخطاء في مسيرة العمل واهتزاز الثقة بالعمل.

-نشوء حالة من اللامبالاة في صفوف القاعدة، تتحول تدريجياً إلى العصيان والتمرد، أو الانكفاء والهروب، ويمكن أن تنتهي بترك العمل نهائياً، إن لم يكن بتحريك الفتن وشق الصف.

من وجهة نظري المتواضعة ألخّص الأسباب التالية:

-عدم مواكبة سنة التطور والتي تفرض إعادة النظر في تصوّر طبيعة العمل في المرحلة الجديدة، وفي مسؤولية الحركة عن الصحوة عموماً، وفي كيفية التعامل معها إيجاباً وليس سلباً.

-بقاء المناهج التربوية على ما كانت عليه منذ الخمسينيات وحتى التسعينيات، مع تعديل بسيط لم يلامس جوهر التربية وأهدافها الدعوية والحركية والسياسية، فضلاً عن الإيمانية والأخلاقية، في واقع حياة الأمة، وليس فقط في واقع حياة الحركة.

-عدم وضع مناهج وآليات لتطوير الخطاب الإسلامي، وتنظيم دورات لتحقيق ذلك، بالرغم من قناعة الجميع بذلك وتأكيدهم على ضرورة تحقيقه.

-عدم ملاحظة المناهج لدور الأفراد الإنتاجي في العمل الفردي، مما يؤدي إلى عدم استيعابهم وتسخيرهم وإشراكهم في عملية الإنتاج.

الأمر جد خطير .. وأرجو ألا يكون وقعه ثقيلاً على أحد، فنحن مُؤتمنون على دعوة، والحق أحق أن يُتّبع، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظه أم ضيعه) [رواه الترمذي] .

إن القيادة الربانية الراشدة هي تلك التي تحتضن كل الطاقات، وتسخر كل الإمكانات، وتحترم كل الأفراد، وتُنزلهم منزلتهم، وإلى صميم هذا المعنى جاءت اللفتة النبوية تقول: (أرحم أمتي بأُمتي أبو بكر، وأشدُّهم في دين الله عمر، وأصدقُهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيُّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام مُعاذ بن جبل، وأفرَضُهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) [رواه ابن ماجة] .

وإن شفافية المسؤولية لدى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعلته يقول:"والله لو عثرت ناقة في أقصى العراق لكان بن الخطاب مسؤولاً عنها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت