وباءت كل المحاولات بالفشل، فقرروا إبعاده إلى خارج بلده وإلى مناطق بعيدة بحيث أنه لا يقدر على جلب النفع لنفسه أو الإضرار بهم .. وأُبعد وصبر، ثم جعل يُكوّن هناك أسس أقوى وأشد من ذي قبل .. فالمؤمن يُختبر بالمحن.
اللهم إنا لا نتطلبها، ونقول سنصبر عليها أو نحن مستعدون لها، فلا يجوز لمسلم أن يعرض نفسه للفتنة وقد لا يصبر عليها، أو يضع نفسه موضع الذل والهوان، أو موضع المتسلط عليه من الكفار، فنصبح فتنة للذين كفروا، ولكن إذا تعرض المسلم للمصائب والمحن بقدر من الله ولحكمة يريدها الله، فلابد أن يصبر ويتقي الله، وبعدها يؤتي الله نصره من يشاء، وعندما يتعرض المسلمون للمحن والرزايا فلاشك أن في ذلك فوائد كثيرة يريدها الله، كتمحيص الصفوف ومعرفة الصابرين المجاهدين، والدخلاء الذين هم غثاء كغثاء السيل.
وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام - رحمه الله - لفتات طيبة في هذا الموضوع، ننقلها بطولها لأهميتها، قال: وللمصائب والمحن فوائد تختلف باختلاف رتب الناس:
أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها.
الثاني: معرفة ذل العبودية وكسرها، وإليه الإشارة يقول - تعالى: [الَذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ] ، اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره، لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه.
الثالثة: الإخلاص لله - تعالى -، إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه: [وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ] .
الرابعة: التضرع والدعاء: [وإذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا] .
الخامسة: تمحيصها للذنوب والخطايا: «ولا يصيب المؤمن وصب ولا نصب حتى الهم يهمه والشوكة يشاكها إلا كفر به عن سيئاته» رواه مسلم.
(1) محمد العبدة