لقد علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم- أن نبذل الأسباب التي نستطيعها في تحصيل ما نريد ثم ندعو الله ـ تعالى ـ ولذلك لما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم- فتح مكة وضع العساكر والحرس على أنقاب المدينة لئلا يتسرب الخبر إلى مكة وبذل جميع الأسباب المادية الممكنة ثم توجه إلى الله بالدعاء أن يعمي الأخبار عن قريش.
ومما يذكر عن عمر - رضي الله عنه- أنه رأى إبلاً جرباء فسألهم: ماذا تصنعون لعلاج هذه الإبل؟ قالوا: عندنا عجوز صالحة نذهب إليها فتدعو لها! فقال - رضي الله عنه-: اجعلوا مع دعاء العجوز شيئاً من القطران!!
إن ساحة العلم الشرعي والدعوة تشهد نقصاً شديداً ينذر بالخطر، ولا غرابة حينئذ في تصدر غير المؤهلين ممن لا يعنيهم كثيراً توفر الشروط!
وإنه لورع عجيب غريب .. أفليس من الورع أن يفعل الإنسان ما يشتبه بالواجب؟ أو ما يشتبه بالمستحب؟ فيقوم بالتعليم والدعوة والخطابة خشية أن يكون شيء من ذلك واجباً متعيناً عليه؟ أم أننا صرنا في عصر القعود، وأصبحنا نفسر (الورع) بالترك .. ترك ما يشتبه بالحرام أو يشتبه بالمكروه؟؟
يقول رسول الله: «بُعثت بحنيفية سمحة» . والملة الحنيفية هي المستقيمة التي لا عوج فيها من توحيد الله تبارك و- تعالى -، ولا انحراف عن نهجه الذي رضيه لعباده، ولا ميل فيها إلى يمين، أو يسار تحقيقاً لمصالح ذوي المصالح، أو أهواء أهل الأهواء.
ولا شك في أن وصف الحنيفية بمعنى الاستقامة يصدق أكثر ما يصدق على ملة الإسلام، وشريعته التي صانها الله من التحريف، والتبديل الذي أصاب ملل مَنْ قبلنا من الأمم، وشرائع أنبيائهم، وكتب الله (تبارك اسمه) المنزلة عليهم.
(1) د. محمد سليم العوَّا