فهرس الكتاب

الصفحة 3313 من 4219

فيشرع يدرس أوصاف هذا الهوى، من قبل أن ينقض عليه في أعالي جوه وهو لا يعرفه، ويسأل فقهاء القلوب، من زاهد وشاعر، ينعتونه له. فإنما سمى الهوى (لأنه يهوى بصاحبه) كما يقول الشعبي، التابعي الكوفي [1] .أي أنه مشتق من السقوط. وقول الله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) معناه: سقط وجنح للغروب. فالذي يتمكن منه الهوى، ويخالف دلالة القرآن والحديث ووصايا الفقهاء: لن تراه إلا في تعثره ووقوع يكبه على وجهه، لا يعرف اتزانًا ولا صعودًا. سبب الهوى

وسببه: وسخ يكون في القلب، من طمع وحسد وانتصار للنفس، يحجب الرؤية أو يشوشها، كالذي ينظر من وراء زجاجة سوداء.

أو يضاف إلى ذلك: ضعف عين الهاوي، تكون مقلته شوساء، متقاربة الأجفان، ضيقة المجال، فتزداد صورة الحق الشرعي عنده غبشا ولا تتكامل.

ولذلك أوصاه الشاعر أن:

انظر أوصاه الشاعر أن:

انظر، وإياك الهوى، لا تمكنن

سلطانه من مقلة شوساء

فجراثيم تلك الأوساخ تغزو المقلة الشوساء، فتلتهب، فتعمى إن لم تعالج، كما أن تلك الجراثيم تكثر في نفس القلب، حتى يقف نبضه.

وللهوى أربع مضرات أخر سوى هذا الأسر، رآها ثقات الأطباء عند أهل الهوى وأحصوها: منها: أنه يصد عن الحق، بحيث تأتي بالدليل والحجة، فيجحدهما الهاوى، وكان أعظم تخوف أمير المؤمنين علي رضي الله عه من ذلك، فقال متشددًا: (إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى. فأما طول الأمل فينسي الآخرة. وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق) [2] .ومنها إفساد العقل، فتكون اجتهاداته معيبة غير موزونة.

فخذ بمنهج من يعصي هواه وقد أطاع أهل الحجا في كل مؤتمر

إن الهوى يفسد العقل السليم ومن يعص الهوى عاش في أمن من الضرر

ومنها التنازع بين الإخوان، وتطوير اختلاف وجهات النظر إلى تخالف بين القلوب.

(1) أدب الدنيا والدين/14.

(2) الزهد لأحمد/130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت