وهذه التجارب القديمة نفسها هي التي جعلت الإسلام يغالي بقاعدة الأمر والنهي، فليس الصلاح أن تعبد الله وتحيا مسالمًا لمجتمع عاهر، هذه عبادة مزيفة، لا تنسب صاحبها إلى تقوى، العبادة الصحيحة هي التي تدفع صاحبها إلى إنكار المنكر على درجة ماء، جهد الطاعة، والإسلام دين يتحرك بالحق، ولا يسكن به، إن الحركة سر الحياة، والركود طريق الموت، ومن هنا وصفت أمة الإسلام بالخاصة الأولى في دينها، وهي الغيرة على الحق، وطبع الحياة الخاصة والعامة به، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110) .
ومهما ساء الأمر وأظلمت الدنيا (فلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) .
أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمره بالبلاغ والبيان، وإيصال الدعوة إلى كل من يمكنه إيصالها إليه، فقام النبي بهذا الأمر حق القيام، ولم يدع صلى الله عليه وسلم سبيلا يمكن من خلاله أن يدعو إلى الله إلا سلكه، ولا طريقًا إلا ولجه، فأرشد الدعاة بعده إلى استعمال كل وسيلة مهما تيسرت أسبابها وكانت مشروعة، ومن الوسائل التي استخدمها المصطفى عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله:
أولا: الدعوة الفردية
فكان في بداية الدعوة يتلمس أصحاب العقول الوافرة والأنفس الزاكية والأخلاق الحميدة فيعرض عليهم دعوته، ويشرح لهم أصولها، ويدعوهم للإيمان بالله، فاستجاب له البعض الذين كانوا نواة أمة الإسلام: كأبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب وأمنا البرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.