فإن هذا معلوم لكل صانع يتكرر منه عمل؛ لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة الخيال، والثاني قد ارتسم وثبت له مثال، وإذا كان هذا في حق من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، كذلك فما ظنك بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية؟ فهذه الآيات الكريمة على إيجازها برهان قائم على أن البعث مما يدخل تحت سلطان قدرته تعالى من باب أولى، وغير خاف عليك ما جاء فيه عن بني إسرائيل.
وعلى الجملة فللإيجاز موضع كما أن للإطناب موضعا، فاستعمال أحدهما موضع الآخر خطأ واضح وعي فاضح، كما روي عن جعفر بن يحيى البرمكي أنه قال:"متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيًّا". وقال الخليل: يختصر الكلام ليحفظ ويبسط ليفهم - وقد كانت العرب تطيل ليسمع منها وتوجز ليحفظ عنها - فالإطناب إذا لم يكن منه بد فهو إيجاز وهو في الوعظ خاصة محمود، كما أن الإيجاز في الإفهام محمود. والداعية الحازم هو الذي يتفرس في حال القوم ويأتي في كل حال ما يناسبه.
الاستبداد صفة من صفات التسلط وفرض الرأي بالقوة، وهو يقتضي تكميم الأفواه، وقطع الألسن، فلا تتحدث إلا في مجال محدود لا تتجاوزه وبطريقة معينة لا تتغير .. بل ينطلق الاستبداد أحيانًا ليحجر على أفكار الإنسان وخواطره، بل أنفاسه وزفراته .. !
إذا كان هذا هو معنى الاستبداد، فهل يمكن أن يتجرأ أحد على وصف الدعاة بذلك .. ؟!
معاذ الله! فليس هذا حكمًا عامًا يتساوى فيه جميع الدعاة، ولكن البعض قد يأخذ بنصيب وافر أحيانًا من هذه الصفة، وهذه الشريحة الدعوية لا ينبغي إغفالها أو تجاهلها.
ممارسة خطيرة
والاستبداد الدعوي - إن صحَّ التعبير - ممارسة تربوية ذات أبعاد خطيرة، تقتل ملكات الإبداع والإنتاج، وتعطل الطاقات؛ لذا كان لزامًا علينا أن نسلط الضوء عليها بجرأة، لعلاجها والتخلص منها.