فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 4219

كذلك سماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سئل عن أفضل العمل، فقال:

(رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) [1] .

فانظر وحلل هذه الكلمات: تجد كيف أنه:

خرج: وهو الخروج اليومي للتبشير بالدعوة، أو دخول المعارك الحاسمة، لا يحدث نفسه بأوبة.

يخاطر: فسماها مخاطرة، وإلا فما أسهل الإقدام على العمل المضمون.

بنفسه: أي بروحه، بدمه، بجسده، لا يخشى حبلا ولا رصاصة.

وماله: أي براتبه، وموارده، وأملاكه التي هي ملك الدعوة وأجازت له الانتفاع منها.

فلم يرجع بشيء بعد ذلك، لأنه انتقل نقلة البذل في الله، ومن طبيعتها أنها لا رجوع فيها، بل لها توجه نحو الأمام فحسب، بلا التفات.

يقدم لها غير وجل، ويقول غير آسف:

وأراني أسمو بسعيي ووعيي عن جزاء من معدن الأرض، بخس

حسب نفسي من الجزاء شعوري أنني في الإله أبذل نفسي

لكنها الأرض قد اهتزت وربت وأنبتت البهيج لما كان البذل.

ولا عجب إن كررت هذه المواعظ ذم الدنيا واقتصرت على أمور الدين، فإن الأكثرين قد شغلتهم الدنيا حتى صاروا بمسالكها خبراء، ولكنه الدين الدين، كما قال عطاء بن يسار:

(دينكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون) [2] .

والتخفف منها ضروري للإسراع في خروج المخاطر، ومن استكثر، أثقلته وألهته، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (إن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم) ، ولذلك كره الفقهاء كثرة التمتع بالحلال، لما فيه من تخذيل المتمتع عن الجهاد وإبطاء النفرة.

وما لم يكن هذا ا لتقلل: كان الاسترسال في الاستزادة، وعراض التمنيات، فإن إغراءها دائم لا يفتر، والنفس تضعف، وكم من لاحق لم يعظه ماض، ولما التفت الشاعر بعد الانتباهة وجد الركب مزدحما، ورأى وراءه قوما ما زال يستدرجهم حبها، فقال ندمان آسفًا:

ما أنت يا دنيا وما أبقيت للأحلام مني؟

(1) صحيح البخاري 2/ 24.

(2) الزهد للإمام أحمد/317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت