وهذه الحقيقة تدعونا إلى تجريد وتمحيض الإخلاص في نفوس الدعاة العاملين، وأن يتحرروا من كل الأطماع والشوائب، وأن يظل هذا التجرد يتعاظم فيهم حتى يصل إلى درجة التبتل في أداء العمل للدعوة الإسلامية المباركة، ويصيرون (كأن مادتهم من السحب، فيها لغيرهم الظل والماء والنسيم، وفيها لأنفسهم الطهارة والعلو والجمال، يثبتون للضعفاء أن غير الممكن ممكن بالفعل، إذ لا يرى الناس في تركيب طباعهم إلا الإخلاص، وإن كان حرمانا، وإلا المروءة، وإن كانت مشقة) [1] .
إن طريق الدعوة واحدة لا يحتمل الشركة، وعلامة الداعية القائم لله ولنصرة دينه بصدق: (أن يكون أنسه بالله تعالى: والغالب على قلبه: حلاوة الطاعة، إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة، إما محبة الدنيا، وإما محبة الله، وهما في القلب كالماء، والهواء في القدح، فالماء إذا دخل: خرج الهواء، ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله: اشتغل به ولم يشتغل بغيره، ولذلك قيل لبعضهم: إلى ماذا أفضى بهم الزهد؟ فقال: إلى أنس بالله، فأما الأنس بالدنيا وبالله فلا يجتمعان) [2] .
فإن الإنسان هو هو: ساذج منخدع.
والأهواء هي هي، كيدها لا يعظ البعض، فيأبون إلا تكرار التجربة، والسير في الدرب الهش، وقد خدعت هذه الأهواء الشاعر مع علمه بأنها استدرجت سلفا له، وأخبر أنها ستظل تغري اللاحقين، فراح يكشف الحقيقة، ويخفف من مراراتها بتوهمه لذة فيها يستطيبها، ويقول:
يا طيب أهواء تغري ولا تسلي
لم يغنني عنها من سار من قبلي
كم موكب بعدي في لهفة السؤل
يمشي على دربي في مدرج الرمل!!
انظر: غنها لهفة السؤل، أي تفكيره العقلي فقط، لا تأمله الروحي القلبي.
(1) وحي القلم 2/ 291.
(2) إحياء علوم الدين 4/ 241.