يجب أن ينحصر تفكير الداعية فيما يجلب له الأجر، ويقربه إلى الطاعة، دون أن يكون تبعا، وأن يمتلك زمام المبادرة إلى الطاعات دون الالتفات إلى عمل فلان أو قول فلان، ولا يجب أن تقعده نشوة الطاعة، ولا تثبطه أثقال المعصية، ولا ينتظر الإذن بالعمل من شخص ما، إلا ما كان جزءا من خطة، بل يفكر الداعية بنفسه أنه سيحاسب يوم القيامة عن أعماله، وعما قدم، ولا يسأل عن الآخرين، كما أن عليه أن لا يرنو ببصره إلى غيره، فقد يكون لهم من الأعذار ما يمنعهم عن شيء ما، أو ليس لهم من الهمة والطاقة ما يمكنهم من أداء عمل ما، و يستطيع هو أداءه، فلا يثبطه الشيطان، أو تقعد به ثقلة الحياة الدنيا، والداعية _ بنفس الوقت _ عليه أن ينصب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قدوة عملية أمام عينيه، ولا يجعل الأشخاص الآخرين- أياً كانوا مثالاً له، فقد يفتح الله عليه من الهمة أكثر من الآخرين، أو يوفقه الله _ تعالى _إلى عمل يتفرد به، أو إلى فضل يؤثره فيه، فلله في خلفه شؤون، وهو المتفضل على عباده، وقد يختص برحمته من يشاء وكيفما يشاء.
أنه لا يصلح لأمر ما فيقعده عن العمل، أو يزهده عن الأداء، إذ قد يأتي الشيطان عن طريق إشعار الداعية بأنه لا أهمية له، أو يحدثه بأن العمل ضرب من الرياء، وأن الحديث فيه مظاهر الغرور، فيحبب له العزلة، ويزين له الانكماش، ويصور له العزلة ورعاً، والانكماش تعففا، وعدم الحديث تواضعاً، فيفوت عليه المصالح، ويسد عليه طرق الخير، وتذهب عنه الأوقات، وتهدر فيها الطاقات، وإذا ما عجز الشيطان عن ذلك، فإنه يريك الأولويات على الداعية، ويقوده لترك الأفضل وإتيان المفضول، تحت نفس التبريرات، ووفق نفس الحجج، ولهذا كان من الضروري تفهم الداعية العلم الشرعي الذي يسد به منافذ الشيطان، ويغلق به أبواب إبليس، ومن أول العلم الثقة بالنفس، وتأييد الله تعالى.