كلام لا يقولونه اعتباطًا، بل كانت تأملاتهم في مصائر الجيل الذي عرفوه تعمل كعمل دوائر الإحصاء الحديثة، يحصون من كمل ونقص، ومن وصل ومن خانته قدمه، والعثرة التي عثرها، إن كانت في أول الطريق، أو عند الوسط، أو لما كاد أن ينتهي ولم يبق له إلا خطوة الفوز، ثم يعطونك نتائج الإحصاء في أقوالهم هذه.
والداعية المتواضع الثقة قد تعزف نفسه عن الإمارة، لكنه يقع في اختلاف مع غيره عند ترشيحه للآخرين لبعض الإمارات، فيسرع المختلفان إلى التعصيب لاجتهادهما، في فورة من الحماة، ويجزم كل منهما بتخطئة صاحبه، أو الاعتقاد بأنه يخالفه لنوع هوى ومن باب التعسف. ومثل هذه الظاهرة خطر ولا شك، لكنها تستحيل بسرعة إلى مجرد هاجس عابر خال من الضرر إذا انتبه كل منهما إلى وجوب مراعاة الآداب الشرعية في علاقات الدعوة، كما أسرع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى مراعاتها حين: (قدم ركب من بني تميم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو بكر: أمر القعقعاع بن معبد بن زرارة. قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. قال: أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [1] .ولا شك أن تذكر الدعاة دوما لهذا الأدب، والتطلع لقول قادتهم وإنفاذ اختياراتهم: يجرد مثل هذه الخلافات من كل خطر بتاتًا. فإن تشدد القادة، وأقصوا عن المسؤولية عن الجماعة من لان أو انحرف أو خالف: فبالحزم أخذوا، ليس في ذلك ضير. وإن تساهلوا، وعفوا وتجاوزوا، فبسد الذريعة وقواعد لم الشمل أخذوا، ليس في ذلك ضير آخر. كل ذلك صواب في أعراف سياسة الجماعات، تؤيد الظروف النسبية المختلفة هذا المسلك أو ذاك، ما لم يكن ثمة هوى. ورحمة الله على من تجرد وغلب هواه، قائدًا أو جنديًا.
(1) صحيح البخاري 5/ 213.