التخلص من سجن العيوب الخلقية وأسرها يمثل المرحلة الضرورية الأولى في الصياغة التربوية للداعية المسلم، نحرص على التحرير قبل إعطاء الوعي وتعليم الفقه والتدريب على كسب الأنصار، لا نهتم قبل تقطيع وتكسير حديد سلاسل العيوب بشيء. فمن تجاوز هذه الخطوة في البداية الصحيحة فكأنما هو مراوح في مكانه، لم يبرح موضعه، وإن قطع المسافات بدونها، وأقام الشهود على قدم الانتساب، وليس هو إلا في تكرير وتقليد لذاك الرجل الذي جاء إلى الزاهد أبي علي الدقاق، يشتاق إلى مواعظه، فقال: (قد قطعت إليك مسافة) .أي سافر إليه من بلاد بعيدة يبتغي أن يكون له تلميذا وصاحبا، يظن أن طول رحلته يمنحه أولوية على غيره في القرب من أبي علي. فقال له أبو علي: (ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة: يحصل لك مقصودك) .وهذه هي النفس الأمارة بالسوء، ذات العيوب، عناها أبو علي، لن يحصل مقصود الدعوة في الداعية حتى يفارقها بخطوة تكون دليلا على أنه قد حل وثاقها له. أي وثاق كان، بسلاسل غلاظ أم دقاق رفاع، ما دام منهن تكتيف وإقعاد. وهذا هو الذي أدركه عمر بن عبد العزيز بثاقب بصيرته الإيمانية، فطفق يلح على الواحد من ولاته على الأقاليم أن: (لا يكونن شيء أهم إليك من نفسك، فإنه لا قليل من الإثم) [1] .يراه كله قيدًا، قليله وكثيره، هذا الإثم.
فلما تخلص عمر والذين معه من قليله، واهتزت الأرض لذلك وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، أيقنها الناس نظرية لعمر في طلب كل خير وصاغها شاعرهم وصية:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقي
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يري
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
وتمثيل التقوى بحذر الماشي فوق أرض كثيرة الشوك يؤثر عن الفاروق رضي الله عنه، وبذلك جمع الشاعر بين خلاصة فقه العمرين، ومن عرج ساعة لشوكة شيكها، حتى وجد منقاشا، ثم استخرجها ضاحكًا من شدة صغرها كأنها ذرة، عرف أ، لا قليل من الإثم حقا.
(1) تاريخ الطبري 6/ 569.