فهرس الكتاب

الصفحة 3016 من 4219

وهنا وجه الفرق بين روح المغامرة والاستكشاف الأوروبيين المدفوعين فقط بالجشع الفردي والجماعي لقوم فقدوا صلتهم بالله، وبين فلسفة الانتشار القرآني التي هي سر الانتصارات الكبرى حين انتشروا دون أن يكفروا، فانتصروا دون أن يبطروا. والسر هو أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة إنسانية «عمرانية» أي تعمر الأرض والإنسان وتبتغي الرزق دون أن تفسد في الأرض، أو تخل بالعدل وبين الحضارة الأوروبية التي تعتبر «التحضير» ملازماً جدلياً للتدمير والتخريب للإنسان والبيئة والقيم والأخلاق.

فأين نحن من الانتشار والضرب في مناكب الأرض، وألسنتنا رغم ذلك تلهج بذكر الله ودون أن تلهينا تجارتنا وأعمالنا عن ذكر الله؟ لماذا جعل بعضٌ منا «عمارة المساجد» بما ترمز إليه من التزام بفرائض التدين وسننه ملازماً للتخلي عن عمارة الأرض والسير في مناكبها والأكل من رزقه في تناقض فظيع مع قوله - تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ #^36^#) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 36 - 37] ؟

فعُمَّار المساجد لا يغفلون عن ذكر الله ولكنهم تجار أغنياء يبيعون ويشترون، أي أنهم لم يبنوا نجاحهم الدنيوي على حساب آخرتهم، ولم يفهموا أن تعمير الآخرة يتطلب العطالة والتوقف عن السير في الأرض. إنهم عُمَّار للمساجد وعُمَّار للأرض.

58 -قواعد في منهج الدعوة إلى الخير[1]

مقدمة:

(1) د. فريد الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت