هناك حقيقة يقررها المؤرخون والدارسون للحضارة الغربية المعاصرة، وهي أن روح المغامرة تُعد إحدى الخصائص السلوكية والنفسية والاجتماعية التي ساعدت في بناء تلك الحضارة. فهي التي قادت عدداً كبيراً من التجار والعلماء والمستكشفين إلى الضرب في أدغال القارات وركوب مخاطر البحر. ولقد كان اكتشاف الطرق التجارية مثل طريق رأس الرجاء الصالح، والقارة الأمريكية أو ما يُصطلح عليه بالعالم الجديد أثراً من آثار تلك الروح الاستكشافية.
ونصاب نحن المسلمين بالدهشة ونحن نتابع البرامج الوثائقية التي تصور «رهبانية» علماء وباحثين غربيين انقطعوا انقطاعاً تاماً لبحوثهم وكشوفاتهم ورحلاتهم، وخرجوا «في سبيل العلم» تاركين وراءهم أزواجهم ومتع الحياة الدنيا فنمتلئ تقديراً وإعجاباً بهم؛ فهم لم يكتفوا بما راكموه من حقائق علمية حول أسرار الكون وعجائبه، بل أبوا إلا أن ينقلوا ذلك في شكل برامج حية تسر الناظرين. ومن منا لم يتابع بتقدير كبير وبرامج مثل رحلات العالم الفرنسي كوسطو؟!
لكنه من اللازم أن ننبه إلى أن تلك الروح المغامرة إنما كانت أثراً من آثار نمو طبقة بورجوازية ضاقت بها أقطار العالم الأوروبي، ولم يستجب ضيقها لجشعها إلى المواد الأولية ولرغبتها في سوق واسعة تستهلك منتجاتها، مما أدى إلى تحول روح الاستكشاف عندها إلى واقع استعماري وتوسع استكباري.
(1) د. محمد يتيم