** إن قبول المدح والالتذاذ به، وميل الطبع إليه دليل شعور النفس بالكمال، وابتعادها عن النقص، أو أن قلب المادح مملوك للممدوح، وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ، أو أنها سبب لاصطياد القلوب، أن المدح دليل حشمه الممدوح وقدرته، وكل ذلك يؤدي بدرجه تنقص أو تزيد إلى قطع عنق الممدوح، وشعوره بالعجب والفخر إلا من عصم الله تعالى.
وعلى الداعية والمربي - والأمير خصوصاً - أن يسد أفواه المداحين، وأقل درجاته أن يستوي عنده المدح والذم، ويمتعض من المدح والمتكلف، ولا يصيبه الغم من الذم، ولا يجد في نفسه نشاطا لإعانة أو توثيق المادح، أو تضعيفا للنقاد والناصح، كما على المربي أن يستعلي عن كون زلة المادح أقل في ميزان الجرح والتعديل من زلة الذام، وغير ذلك، ومما يدرك بالعقل الراجح والفطرة السليمة أن مدح قد رجح شيئا في نفس الممدوح لم يكن لو لا النطق بهذا المدح.
(وعلى الممدوح أن يكون شديدا الاحتراز عن آفة الكبر والعجب، وآفة الفتور، ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة، ودقائق الرياء، وآفات الأعمال، فإنه يعرف من نفسه مالا يعرفه المادح ولو أنكشفت له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح .. وعليه أن يظهر كراهية المدح بإذلال المادح ... ) [1] .
ولقد أثبتت التجارب الدعوية أن مادح نفسه، أو الذين يحبون أن يمدحوا بما لم يفعلوا، غالبا ما تكشف أوراقهم بسرعة، ويتحول مديحهم إلى نوع من الهجنة المذمومة، وتكون ألفاظهم ثقيلة الوطء على السامع، إذا أن لحسن النية جمالا في اللفظ، وبهاء في النطق، ولا ينفعها التزويق في اختراق شغاف القلوب، وإذا كسب مديح الذات جولة، فإنه لن يستمر فترة طويلة، فسرعان ما يظهر لحق القول، فتنسد دونه الآذن، وتمجه النفوس، ولا يظل عالقا في القلوب إلا ما كان خالصا لله تعالى وحده.
(1) - إحياء علوم الدين 3/ 161.