فهرس الكتاب

الصفحة 3331 من 4219

كما أنه قد يقف على باب الإثم فيذكره مذكر بالله فيرجع، كما في حديث البخاري عن المرأة التي أراد ابن عمها السوء معها فذكرته الله، فعف بعدما أوشك وشارف، فوهبه الله بعد دهر استجابة منه لدعائه، ورفع الصخرة التي سدت فتحة الكهف عليه.

وهكذا كهوف التخذيل والإرجاف، قد يجد المرء نفسه حبيسا فيها على غفلة من نفسه، فيدعو بدعاء عمار: نعوذ بالله من الفتن، فتتدحرج صخرة الأوهام عن باب سجنه، ويتنفس الصعداء، ويعود إلى عرصات العمل الفسيحة.

فإن العمل الخاطئ لا يصح معه ادعاء الصلاح، ولا تسوغه النية الحسنة، والضرر يزال ويتجنب ولو لم يقصد فاعله الإساءة، وكل ناو فله ما نوى.

فمن الدعاة أناس يريدون الخير للدعوة، لكنهم ورثوا سذاجة أصحاب السفينة الذين قص علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبرهم فقال، كما في لفظ البخاري:

(مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي بأسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا، فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي، ولابد من الماء!! فإن أخذوا على يديه: أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) [1] .

وفي لفظ ابن المبارك أن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان إذا أراد سرد هذا الحديث يقول قبله:

(يا أيها الناس: خذوا على أيدي سفهائكم) .

فإذا سرده عاد فقال:

(خذوا على أيدي سفائهكم قبل أن تهلكوا) [2] .

ولقد صدق الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- وصدق النعمان، فكم من مخلص جاهل يسلك سبيل صاحب الفأس هذا في سفينة الدعوة؟

ذاك حمل فأسًا ... وصاحبنا يحمل اللسان.

إنه يهدم ويشكك ويثبط ويفرق ويعصي، كل ذلك بدعاوى حسن النية والنقد الذاتي.

(1) صحيح البخاري 3/ 225.

(2) كتاب الزهد لابن المبارك/475.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت