أي كف أي ظنونه وأذى لسانه، عن المؤمنين، ويزداد شدة إن أطال الإهمال فيما قرر المحدث الثقة الزاهد الكوفي محمد بن كناسة في قوله:
إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى
فإن فطام النفس عنه شديد [1]
لكن صعوبة هذا العلاج تخف بعد المباشرة فيه، ويأتيه المدد نم رب رحيم.
وحين ذاك، ومع كل جولة ينتصر فيها على هواه، ينتشي ويلتذ لذة ليس كمثلها لذة، كلذة من يرتقي قمة صعبة ويعلوها، فإن:
(في قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة) .
كما يقول ابن الجوزي [2]
وإنما نعني بعلاج الهوى: مناقضته ومخالفته، والعمل بضد ما ينادي، كما ورد في قول الشاعر:
هي النفس إن أنت سامحتها رمت بك أقصى مهاوي الخديعة
فإن شئت فوزا فناقض هوها وإن واصلتك أجزها القطيعة
ولا تعبأن بميعادها فميعادها كسراب بقيعة [3]
بل ربما ذلك لا يكفي، فإنه يراوده مرة أخرى، ولكن نحتقره على طريقة سيد الزهاد إبراهيم بن أدم حين وصفه ابن أخته محمد بن كناسة:
*أهان الهوى حتى تجنبه الهوى* [4]
فنزدريه، ونهزأ به، ونضحك عليه، حتى يولي مدبرًا، يتجنب المرور عبر دربنا بعدها أبدا.
يعتبر تاريخ الصدر الأول من السلف الصالح من مصادر فقه الدعوة الرئيسة، فإنهم بأفعالهم وطريقتهم في الحياة كانوا أفصح من خلف ينطلق بقلمه لتدوين فقه الدعوة من تأمل نظري مجرد. وقد حددوا بسيرتهم ما يجب للداعية من صفات، وما يسوغ للدعوة أن تسلمه من أساليب ووسائل.
فبعضهم لم يتكلم بغير حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا جملا يسيرة، ولكنه أرى الناس تطبيقا رائعًا للحديث وأفعالا شدتهم إلى الاقتداء.
(1) الأغاني 13/ 342.
(2) صيد الخاطر/58.
(3) نفح الطيب 7/ 362.
(4) شطر في الأغاني 13/ 337.