فهرس الكتاب

الصفحة 3315 من 4219

وأضر من هذه الأضرار كلها: أن يكون المرء متماديا لا يعالج هواه، غير مسرع إلى مخالفته، حتى أن مثل أبي العتاهية يضجر ويتأفف من برودة صاحبه في ذلك، فيخاطبه: خالف هواك إذا دعاك لريبة فلرب خير في مخالفة الهوى حتى متى لا ترعوى، يا صاحبي حتى متى؟ حتى متى؟ وإلى متى؟ ويتعجب ثانية لفتوره وعدم المسارعة إلى الإصلاح فيقول: سبحان ربك كيف يغلبك الهوى سبحانه، إن الهوى لغلوب سبحان ربك ما تزال وفيك عن إصلاح نفسك فترة ونكوب وكان صاحبه كان كبعض من نراهم اليوم، ينكرون تلبسهم بالهوى، لا يكتشفونه، فيقعدون عن تداو وعلاج، ولكن الطبيب الماهر يكتشف وإن لم يحسوا به. ومن يطع الهوى يعرف هواه وقد ينبيك بالأمر الخبير فالخبير، ومن عنده علم الفتن وصفات الشر: يعرف الهوى الكامن المستقر من آثاره الظاهرة لا محالة. ولذلك يجب الإصغاء لطبيب خبير من السلف طلب منا إضعاف هذا العدو فقال: (الهوى لا يترك العبودية تصفو، وما لم يشتغل السالك بإضعاف هذا العدو الذي بين جنبيه لا تصح له قدم، ولو أتى بأعمال تسد الخافقين. والرجل كل الرجل من داوى الأمراض من الخارج، وشرع في قلع أصولها من الباطن، حتى يصفو وقته، ويطيب ذكره، ويدوم أنسه) .سماها رجولة، ووافقه مصطفى صادق الرافعي في ذلك، فقال:(إنما الرجولة في خلال ثلاث:

عمل الرجل على أن يكون في موضعه من الواجبات كلها قبل أن يكون في هواه.

وقبوله ذلك الموضع بقبول العامل الواثق من أجره العظيم.

والثالثة: قدرته على العمل والقبول إلى النهاية) [1] .

ولو استقام العاملون على هذه الثلاث لما وجدت فتنة مجالا للظهور أبدًا.

أداء الواجب، بانتظار الأجر الرباني لا الثناء العاجل ولا الرئاسة.

والثابت على ذلك.

نعم، هو علاج صعب ... لكنه لذيذ.

صعب وشديد، كما قال أبو العتاهية:

أشد الجهاد جهاد الهوي وما كرم المرء إلا التقى

وأخلاق ذي الفضل معروفة ببذل الجميل، وكف الأذى

(1) وحي القلم 1/ 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت