فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 4219

بل نهدرها هدرًا، فإن العصمة لم تكتب لهم وإن كانوا نجباء، فإن مما أدخل الفساد على الخلق في مشاهدات ذي النون المصري الزاهد إنهم:

(جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم) [1] .

وصدق والله، إذ رأينا ما رأى، كأن سمت الناكثين على مدار التاريخ واحد متشابه، وراقبنا فتنة جادل المفتتن فيها أميره، ورد عتبة، فقال:

أنت لست أفضل من عثمان رضي الله عنه حتى تحرم الخروج عليك، ولا أنا وصحبي أفضل من فلان وفلان ممن خرج على عثمان حتى نتنزه عن فعل فعلوه.

وهذا لعمرو الله هو الفقه الأعوج الأعرج، فإن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولنا ما نكسب، ولا نسأل عما كانوا يعملون، وهذا المجادل لم يفطن إلى أن الخطأ لا يصلح أن يقتدى به، وأن الشر لا يقلد، وأن جمهور المهاجرين والأنصار لبثوا في ساعة العسرة على الطاعة والولاء لعثمان، لكنه منعهم من الدفاع عنه.

ولمثل هذا اشترطوا الورع للفقيه، كي ريه نور ورعه عوار الحجة الكاذبة الساترة لخطلها، وشبهوا نموذج الفقيه الفطن بالتابعي محمد بن سيرين، وذلك حين جزم مورق العجلي أنه لم ير:

(رجلا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقه، من محمد بن سيرين) [2] .

فالورع لابد له من فقه يعصم صاحبه من الابتداع ومجانبة السنة، كما أن الفقه لابد له من ورع يبعد المتفقه عن الهوى في الاجتهاد أو الوقوع في تغرير الزلة.

فأفعال الرجال معروفة، منها المنتصبة انتصاب المنار، تدعو المشمرين لاقتداء، فيعرفونها، ومنها المائلة العوجاء.

وذو الصدق لا يرتاب، والعدل قائم على طرقات الحق، والشر أعوج.

إن مبادرة الداعية إلى التضحية بروحه، بلا استئذان الأمير، مهدورة القيمة عند الفقهاء، مجردة من الفضائل، وربما كانت إثمًا إذا نتج عنها توريط الدعوة بما لم تحسب له حسابًا، وتكون عندئذ فتنة كبقية الفتن.

(1) الغنية لعبد القادر الكيلاني 2/ 184.

(2) تهذيب التهذيب 9/ 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت