إلا أن هذا الوعي لضرورة هذا المنحنى اليقظ ينحرف به الغلو ع ن مقصده وسمته فقد يتصور البعض طبيعة من السرية الصارمة وفردية الاتصال وتباعد وقت اللقاء، ذلك ممكن لكنه في الأحزاب لا عندنا، لأن شخصية الداعية المسلم ليست كغيرها، وتلزمها رقة وشفافية، وتقوى واعتدال مزاج، ولطف حس ودماثة خلق وعمق فقه، والتفرد يضعف هذا الخصال في الداعية، ويجعله جافا، كثيف الروح، ولقد أرهقتنا تجربة الجهاز السري بمصر في أعقاب مقتل الإمام البنا رحمه الله، وتحولت بعض عناصره إلى شبه عصابات اختلفت فارتكبت القتل، وسالت دماء مسلمة بريئة، وما كان ذلك إلا من جراء المبالغة في السرية ووضع السلاح في أيدي الضعاف قبل حصول التربية العميقة، فقست القلوب، وطفح الغرور.
إنه درس ينطق، يعلمك، وجوب الاحتياط المضاعف وترسيخ التربية الإيمانية وإطالة الفترة التجريبية.
لسنا ألوية إيطالية حمراء، ولا رجال عصابات، ويجب أن لا يطغي الضرر على المصالح التي نجنيها، فضلا عن صعوبة هذه الصرامة، إذا يحول دونها ارتياد المساجد، وحجاب نسائنا، وأدبنا الفريد وعفافنا المميز، وفي هذا ما يجعل التجميع الواسع ضرورة فوق كونه تيار ضغط ومجال انتقاء، لتضيع القلة المصطفاة في الكثرة المنشرة، دون أن يعرفها المراقب والفضولي.
وثمن ذلك: فطم لسان الدعاة عن كلام كثير يستسهلون تداوله اليوم أثناء التعارف والاستطراد في المجالس، ومن خلال تحقيقات الصحف الإسلامية، فهم يذكرون أسماء وأخبارً لا ضرورة لذكرها، وينبشون تاريخًا، ويفضحون أسرارًا، وما لم تتبدل هذه الطبائع، ونجيد التمييز لحدود الأحاديث المتبادلة والمقالات الصحفية فإن صفنا معرض كله للانكشاف والمخاطر.
كفي، كفي أيها الأخوة.