هذه الحياة، بجوانبها العديدة، و تبدلات المجتمعات التي تحياها، قد لايفهمها جيل المسلمين اليوم من دون الرجوع إلى نظرة واقعية لها، متسمة بالبساطة، مستقرئة للمحسوس المشاهَد منها.
ولا ريب في أن تجاوز مجرد الاستقراء، وفهم الأمور معلَّلة مسبَّبة، هو الوضع الأمثل، المؤدي إلى الإيمان الأتم الأوفر، وهو لما يُظن أنه من ظواهر التناقض أوجب، و لذلك جاءت عقيدة الإسلام تُحلل وتُعلل، ليحيا مَن حَيَّ عن بينة. ولذلك أيضاً حاولت الفلسفات أن تفهم محركات الحياة، فقاربت كاقتراب سقراط من عقيدة التوحيد، أو أبعدت، كبعد جمهور المحاولين.
و بتفسيرات مَن شَرَحَ الكمال العقيدي الإسلامي، أو من خلال محاوارات الفلاسفة في محاولاتهم الوصول إلى المثالية اتسع القول في القدر، والجبر والاختيار، وسر تردد النفس بين التقوى و الفجور، و حكمة خلق الشيطان و القائه للنفوس حتى لتختار الضرر الواضح و تأتي بما لا يأتلف مع الفطرة، و غَلَبَة أهل الشر أحياناً مع كثرة إفسادهم وإرهاقهم للناس، وكثرة محن أهل الخير وصدود الناس عنهم مع عظيم بذلهم ونفعهم للناس، و أمثال هذا. و لكن حياة اليوم اكتنفها التعقيد المادي من كل أركانها، وتركت كثيراً من المسلمين - كشأن أغلب الناس - في زحمة من المتطلبات والحوائج تسلبهم التفرغ لتأمل ساكن يحللون فيه و يعللون.
و لذلك لم يعد هذا النظر التحليلي بممكن للجميع، فضلاً عن أن يكون مفهوماً للجميع، مع أن المسلم مطالب و مكلف - في الوقت نفسه - بأداء الواجب المفروض عليه في التأثير الخَّير في الحياة، بالأمر بالمعروف، و الدعوة إليه، والنهي عن المنكر، ملزم به إلزاماً، مُضيّق عليه في الاعتذار إزاءه.
ومن هنا تفرض سرعة صراعنا الحاضر مع أشكال الكفر الجديدة أن نلجأ، بسرعة توازيها، إلى بساطة النظرات الواقعية، لإسعاف المسلم القائم على ثغور هذا الصراع بقناعة و شجاعة تدعانه يلج دروب البذل التي تفرضها واجبا ت رقابته على العالمين، أمماً و أفراداً، وأمره ونهيه، مقوماً لهم ومُعدلاً.
ولن تجد الحركة الإسلامية ثنية بعيدة عن البدعة تطل بدعاتها من فوقها على منظر بسيط لحقيقة الحياة، شامل في رؤيته، كما تكون إطلالتها على حقيقة الموت. هذه الحقيقة المستغنية عن الدليل والتحليل، والتي تؤذن فيهم وفي الناس كل صباح ومساء.
· عظمة المشهود: دليل الغيب
و ذاك من كمال عقيدة الإسلام وتمام فن المؤمنين بها في الدعوة إليها، أنها و أنهم في حرص على أن يسلك المتحيَّر أو المتردد الطريق الأدنى إلى الإيمان.
والمثل في ذلك كمثل الذي استغلقت عليه الغيوب التي أخبر بها الأنبياء عليهم السلام، من البعث والحساب، والجنان والنيران، فتمر به على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تريه إعجاز ما بين صدعه بالتوحيد فريداً مكذّبا، وبين صدع المؤذنين بالتكبير قبل نهاية سيرة الراشدين من خلفائه على كل روابي أرضين المدنيات، فتجعل رؤية إعجاز السيرة باب تصديق يدلف منه إلى ما يكاد أن يكون رؤية لذلك الغيب، و تكون قد جعلت الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم سبباً للإيمان بالله، ولا نعلم فقيهاً يمنع ذلك، غير الباقلاني، فإنه يوجب الإيمان بالله تعالى قبل الإيمان برسله صلى الله عليه وسلم، وليس لمنعه وجه ظاهر.
هذا بَلْهَ عن امتلاء القرآن بنداءات بسيطة و دعوة إلى تفكّر في خلق السماء و الأرض يقود إلى الإيمان بالله.
وكل ذلك من وجوه كمال عقيدة الإسلام، بما نّوعت خطابها لأنصاف العقول و مقادير النباهة، فمن أشكل عليه التعليل: أدخَلَتْه من باب ما يمكن حِسه، وعوّضت عن التعليل بتكرار التذكير.
و الواقعية التي نريد أن نستفيد منها اليوم ليست إلا التي وفرتها عقيدتنا منذ أبعد الأمس، حين أطنبت في التذكير بالموت، و أنذر كِتابُها سكرةً لا بد أن تميد لها كل نفس مهما كانت عنها تحيد.
و لهذا وجب على خطة الحركة الإسلامية التربوية أن تعتمد التذكير بالموت ضمن أسسها، و تأخذ بيد كل داعية ليلمس لمساً قريباً حقيقته وتفاهة الحياة، فينطلق من بعدُ انطلاقته في البذل، و يتخلص من ثِقلة إلى الأرض تحاول الأموال أن تُركس كل متزين بها إليها.
· لوحة من الفن الإسلامي:
و لئن جمع قادة الحروب جنودهم قبل كل معركة، و حلّقوا بهم حلقة، ليرسموا لهم على الأرض خطة تعبئة لحصار عدوهم، فإن على قادة الحركة الإسلامية أن يرسموا قبل ذلك لحلقات الدعاة إلى الله خطة حصار الأجل للأماني الكواذب، يذكرونهم إياه، كما رسمه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه على أرض المدينة، ففتحت لهم - لما وعوا خطوطه - المدن.
و كان فيهم يومها: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوصف فقال: (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، و خط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به - أو: قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج: أمله، وهذه الخطط الصغار: الأعراض، فإن أخطأه هذا: نهشه هذا، و إن أخطأه هذا: نهشه هذا)
وكان فيهم أيضاً: أنس بن مالك رضي الله عنه، فوصف، فقال: (خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً، فقال: هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب)
وفي رواية: مثل ابن آدم جنبه تسع و تسعون مَنِيَّة، إن أخطأته: وقع في الهَرَم.
و اكتملت بهذه الخطوط الشريفة لوحة من الفن الرمزي التجريدي فريدة.
إنه الإنسان الضعيف تغزوه الأعراض غزواً فيه إلحاح. عدوى، أو سرطان، أو حريق، أو غرق، أو زلق، أو سقوط، أو اصطدام، أو لدغة، أو تسمم بطعام، أو طلقة تائهة.
فإذا نجا من كل ذلك: كان له في الهرم، و ضغط الدم وارتفاع نسبة السكر: تأديب أي تأديب.
فإن أطال النَفَس: اقتص منه الموت {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} تعددت الأسباب والموت واحد، يحاصر الأمل الشارد الذي يتوهم الإفلات حصاراً شديداً أمل أبيض وضّاء، كلما برق: زهت في نظر صاحبه الأموال، و الحِسان، و العطور، و القصور، و المناصب، و الشهادات، فينسى مع نظره المنسرح المسترسل متطلبات دعوته، و يصد عينه عن أرض مقدسة يفسد فيها يهود، ولا يعود أنفه يشم رائحة شواء دعاة الإسلام في الصومال، ولا نتن جثث الأتراك تحت حائط في قرية قبرصية، وتتناسى أذنه وقع أحذية عساكر الهنادك في البنغال .. !
لكنه لو نظر ببصيرته لعرف أن أمله الوضاء إنما يلفه محيط أسود حالك، يتيه فيما دونه من الظلمات ما لم يتبع في مشيه مخرجاً تدل عليه التقوى.
فهو تَرَقُّب جميل، لكنه يتنغص.
وظل ظليل .. لكنه يتقلص.
ومطامع وراء الأودية والمفاوز، وليس هو لما قُدر له بمجاوز.
و أنفاس قبل كل ذلك .. تُعدُّ.
ورحالة .. تُشدّ.
وعاريته .. تُرد.
و التراب من بَعد .. ينتظر الخد
فإنه ليس عُقبى الباقي غير اللحاق بالماضي.
وعلى أثر من سَلَفَ .. يمشي من خَلَف.
و ما ثَمَّ إلا أمل مكذوب و أجل مكتوب.
· رؤية تمتد
و"إن هذا النظر، الذي وراءه التذكر، الذي وراءه التقوى، التي وراءها الله، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفِّيها أربع مرات، حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر، و آخر وجودها التلاشي"
و"إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش مُعداً لها , فإن كان مُعداً لها: عاش راضياً بها , فإن عاش راضياً بها: كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه مادام ينقاد معه و ينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل"
و بمثل هذا النظر و الترقب الذي أكسبه الأنبياء عليهم السلام من قاتل معهم من الربّيين: صفت النفوس، و ثبتت بركيزة من الطمأنينة سكنت معها و هدأت، فرأت حين زال الاضطراب إطار الحقائق الترابية للشهوات الدنيوية، فزال ما هنالك من تطلع زائد.
ثبات له من الرسوخ إزاء الأماني مثل الذي كان ما بين رؤية إبراهيم عليه السلام للأفولِ، فلم يحب الآفلين، وبين بقية من حنيفيته - كادت أن تتصل ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - أرَتْ أمية بن أبي الصلت حقائق الحياة، فكاد أن يسلم، فصرخ فيما حوله من جاهلية:
اقترب الوعدُ، والقلوب إلى اللهو و حب الحياة سائقُها
ما رغبةُ النفسِ في البقاء وأن تحيا قليلاً والموت لاحِقها؟
أمامها قائد إليه، ويحدوها حثيثاً إليه سائقُها
قد أيقنت أنها تصير كما كان يراها بالأمس خالقُها
و إن ما جمّعت وأعجبها من عيشة مُرة مفارقُها
من لم يَمُت عَبطة يمت هَرَما للموت كأسٌ و المرءُ ذائقُها
فكانت صرخاته في عكاظ إرهاصاً ينبي عن نبوة جديدة، أحيت لما جاءت سنن الترقب و النظر الذاكر، فزهد أصحابٌ ورثوها بما هنالك، فانقلبوا يصلحون للإنسان الواهم ما أفسدته شهواته، وما متاع أحدهم عند الوداع غير بُردة قصيرة جعلت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يبكي، و يعاف الطعام، ويقول:
(قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني: كُفن في بُردة، إن غُطي رأسه: بدت رجلاه، وإن غُطي رجلاه: بدا رأسه , ثم بُسط لنا من الدنيا ما يُبسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا)
· نسيان الموت أول الإنحراف
و ليس ذاك بكاء الأسى، حَزناً أن لم يَرَ أخاه مصعباً مترفاً، إنما هو بكاء الخشية من بعض مباح أن يكون حسنةً معجَّلة تمنعه الآجل، كما أفصح، ودموع حذر تخرجها روعة تجرد لجهاد يرى ذهاب أبطاله تباعاً، فيخلف من بعدهم خلف تكثر في يده الأموال، و يخاف أن يتنافسوها، فيتوقف نبض فتوح الهداية.
يشبه بكاؤه ذاك عبرة ظلّ يغص بها حَلق أبي الدرداء مراراً وهو يقول: (أبكاني فراق الأحبة: محمد وحزبه) , يُعبر بها عن وجله من جديد طرأ على سمت الجيل الثاني، مثلما يريد بها إظهار ألمه لفراق أخوة كانوا له سبب هداية وتثبيت، وفهمهم وفهموه، في تعامل مسترسل، ما التالي لهم - مهما حرص - بقادر على أن يُسلي عن قلب أبي الدرداء رضي الله عنه تسليتهم عنه. وكأنهم حالة ما زالت تستبد بكثير من الدعاة الغرباء، لا يستطيعون لها وصفاً.
لكنه حزن المجاهد الفقيه، ما كان ليهبط بأبي الدرداء إلى حسرات تستهلك الهمّة، بل أدى به إلى صعود سُلم
التربية، فاعتلى درج مسجد دمشق، فقال: (يا أهل دمشق: ألا تسمعون من أخ لكم ناصح! إنّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً، ويبنون شديداً، ويأملون بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً، وأملهم غروراً) و لبث في أهل دمشق سنين يخفف أثر هجمة المال، ثم أورث المقال أهله، فكان الرجل منهم يأتي أم الدرداء يستنصحها فيقول:
(إني لأجد في قلبي داءً لا أجد له دواء. أجد قسوة شديدة وأملاً بعيداً!) فتقول: اطلع القبور واشهد الموتى
· إحياء الأمة بذكر الموت
وقارب الاستدراك في زمن الراشد الخامس أن يتم، لولا السم.
فقد واصَلَ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الطريقة، فأرجف بذكر الموت قلوب جيله رهبة، فنفضت رانها ثم انثنى، فحرك إلى الشهادة حَنانها.
و ما أكثر ما وقف عمر موقف أبي الدرداء على درج مسجد دمشق، ليجدد الوعظ القديم، ويقرر لهم:
"إن الأمان غداً لمن حذر الله وخافه، و باع قليلاً بكثير، و نافذاً بباق".
حتى إذا أيقنوا صواب الصفقة: راح يريهم من يومياتهم وواقعهم، بعين التأمل، مالا تراه عين الغفلة، ويقول لهم:"ألا ترون في أسلوب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون، وكذلك حتى تُردّوا إلى خير الوارثين؟ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشّيعون غادياً إلى الله ورائحاً، قد قضى نحبه، وانقضى أجلُه , وطُوي عمله، ثم تضعونه في صُدع من الأرض في بطن لحد، ثم تَدَعُونه غير موَسَّد ولا ممهّد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب ووُجّه للسحاب، غنياً عما ترك، فقيراً إلى ما قدّم". ولربما أجلس أحدهم أمامه و علّمه، تعليمه عنبسة بن سعيد:"يا عنبسة: أكثر ذكر الموت، فإنك لا تكون في ضيقة من أمرك ومعيشتك فتذكر الموت إلا اتسع ذلك عليك. ولا تكون في سرور من أمرك وغبطة فتذكر الموت إلا ضيّق ذلك عليك"
حتى إذا ربّى حاشيته، و خلصوا من وهم الأمل نجيّاً: راح ينشر مذهبه في الأمصار، فيرسل على أعيانهم، فيأتونه، فيفشي لهم سِرّ القبر، وما هو عند أولي الألباب بِسرّ.
قال التابعي محمد بن كعب القرظي رحمه الله:
(لما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعث إليّ وأنا بالمدينة فقدمت عليه , فلما دخلت جعلت أنظر إليه نظراً لا أصرف بصري عنه، متعجباً، فقال: يا ابن كعب: إنك لتنظر إليَّ نظراً ما كنتَ تنظره!
قلتُ: متعجباً
قال: ما أعجبك؟
قلت: يا أمير المؤمنين: أعجبني ما حال من لونك، و نَحَلَ من جسمك و نفي من شَعرك فقال: كيف لو رأيتني بعد ثلاثة، وقد دلّيتُ في حفرتي، وسالت حدقتي على وجنتي، و سال منخري صديداً و دوداً؟)
فشاع خبره في الآفاق، حتى إذا أرسل إلى أعيان الكوفة: بادروه مبادرة، و جلبوا شاعرهم أعمش همدان معهم، يعلن له قناعتهم و براءتهم من أمل يطاره عمر، قد عرفوا جده في إجلائه عن دار الإسلام.
و ينطلق الأعمش بين يدي عمر:
و بينما المرءُ أمسى ناعماً جذلاً في أهله معجباً بالعيش ذا أنَقِ
غِرّاً، أتيح له من حَينِهِ عَرَضِ فَمَا تَلبّثَ حتى مات كالصَّعِقِ
ثُمّتَ أضحى ضحى من غِبَّ ثالثة مُقنّعاً غير ذي روحٍ ولا رَمَقِ
يُبكي عليه و أَدنوهُ لمُظلِمَةٍ تُعلى جوانبها بالتُرب و الفِلَقِ
فما تَزَوَّدَ مما كان يَجمعُهُ إلا حَنوطاً و ما واراهُ مِن خِرَقِ
و غيرُ نَفْحَةِ أعوادٍ تُشَبُّ له وقلَّ ذلك من زادٍ لمُنطِلقِ
فتنهمر هاطلة دموع عمر، وتختلط بأصوات نشغاته، ليتجاوز تَرادّ صداها دهوراً تتعاقب، يقود المربين المسلمين.
· عودة إلى الرشد:
ولئن توالى اليوم فراق الأحبة ووداع الرعيل الأول المتجرد المتواضع المؤسس للحركة الإسلامية المعاصرة، لنبكيه مع هجمة المال بكاء أبي الدرداء، أو بكاء سلمان الفارسي، وفي رواية أخرى حذراً وغربة، حين افتقدا، رضي الله عنهما، حزب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن بكانا لا يحق له أن يهبط بنا إلى تأوهات تجاوزتها همتهما، ولا بد لنا - مع بداية مرحلة جديدة تُرشِح دعوتنا لملء فراغ تركه فشل التطرفات القومية و الشيوعية - من ارتقاء درجات الاستدراك التربوي، هامسين لكل داعية بمواعظ عمر، لتعود لنفسه فتوتها و إقدامها، وتطلعها الأخروي، فإنه قد طال التجوال في البطالة، و لربما حيَّر، وامتد الركون إلى الاغترار و كأنه قد غيّر.
وكأن بالداعِ قد يبكي عليه اقربوهُ
و كأن القوم قد قاموا فقالوا: أدركوهُ
سائلوه، كلموهُ حرّكوه، لقنوهُ
حرِّفوه، وجِّهوهُ مدِّدوه، غمضوهُ
عجَّلوه لرحيلٍ عجّلوا لا تحبسوهُ
ارفعوه، غسلوهُ كفِّنوه، حنّطوهُ
فإذا ما لُفَّ في الأكفان قالوا: فاحملوهُ
أخرجوه فوق أعواد المنايا شيّعوهُ
فإذا صلوا عليه قيل: هاتوا و اقبروهُ
فإذا ما استودعوه الأرض رهناً تركوهُ
خلّفوه تحت رمسٍ أو قروهُ، أثقلوهُ
أَبعدوهُ، أَسحَقوه أوحَدوه، افردوهُ
ودّعوه، فارقوه اسلَموه، خلَّفوه
و انثنوا عنه و خلّوه كأن لم يعرفوهُ
-تِلالنَا الهامِدة
لئن رأينا أبا الدرداء رضي الله عنه بعد فراقة حزب محمد صلى الله عليه وسلم باكياً، فإنه سرعان ما انقلب ضاحكاً، ليقول: (أضحكني: مؤمل الدنيا، والموت يطلبه , وغافل، ليس بمغفول عنه , و ضاحك بملء فيه ولا يدري أرضى الله أم أسخطه)
وإنما هو ضحك التعجب من صورة حياتية يشاهدها كل مراقب لحياة الناس، يرى خلالها أنماطاً من الغفلة تحرف شدةُ طمع تصاحبها بعضَ الناس عن رؤية مصير رهيب يتخطف غيرَهم من حولهم، وما لهم أدنى ضمان لدفعه لو جاءهم كما يجيء أولئك.
فالناس في غَفَلاتهم ورَحى المنيّة تَطْحنُ
وهي ضحكة قد تهجم على صاحبها لأول وهلة حين يحار في تفسير هذه الظاهرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى شفقة ورحمة تأبى إلا أن تصدم الغافل صدمة إيقاظ تخرجه عن سكونه.
رحمة حركت أبا الدرداء برفق فأتى إلى هذا الذي أضحكه فنقر بأصبعه على كتفه فالتفت، فهمس في أذنه أن: (ويحك كيف بك لو قد حُفِرَ لك أربعُ أذرع من الأرض) وما ندري مدى حظ ذاك المرء من التوفيق، إن كان انخلع من غفلته أم سَدر فيها ولكنا ندري أن همسة أبي الدرداء ما زالت حية، وأن ما ذرعه لم تزده الأيام سعة وطولاً، وأن قبل هذه الأذرع الأربعة وبعدها قصة متصلة المشاهد، يرويها الرواة لمن يلقي السمع وهو شهيد.
· يوم الحصاد:
مشهدها الأول: يوم الحصاد: يوم يحصد الموت الروح كما يحصد المنجل الزرع.
وليس في التشبيه مفارقة، فإن حصاد هذه الأرواح يحوي مثل ذلك من الفوائد، من بين موت شهادة ظاهر نفعه، وموت دون ذلك يكون للغير سبب اعتبار و ادكار.
وذلك ما صوره الشاعر حين خاطبك فقال:
ما أنت إلا كزرع عند خُضرته بكلِ شيء من الآفات مقصودُ
فإن سَلِمتَ من الآفات أجمعها فأنت عند كمال الأمر محصودُ
أو قد يسمى هذا اليوم:
يوم الصراخ، و ذاك حين يعرق الجبين، و يتتابع الأنين، وتكون الغرغرة، وتبرد الأعضاء، وتستبد السكرات، فيفتضح الضعف، فيعلو الصراخ.
باكيات عليك يندبن شَجوا خافقاتِ القلوب و الأكبادِ
يتجاوبن بالزنين ويذرفن دموعاً تفيض فيض المزادِ
فيأتي من يحبسْهن جانباً، ليغسلوك على عجل.
عجلة يضجر الغاسل معها إن تباطأ من يحمي الماء، فينادي: ألا إن وراءنا أشغالنا فاستعجلوا!!
كما هو الخلق القديم في الغاسلين، منذ عصر من قال:
كأن لم أكن إذ احتث غاسلي و أحكم درجي في ثياب بياض
و ما هي إلا أذرع أربعة من القماش الرخيص، كتلك من الأرض السبخة، يحملك بعدها أصحابك على الرقاب
فلا تنس يوماً تسجَّى على سريرك فوق رقاب النَفَر
فإن كنت صالحاً: استبشرت تلك الساعة، ولبثت تصيح طرباً قدّموني، تصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
(إذا وُضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: ياويلها! أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق)
· ثم يوم الرقاد:
و تنتقل القصة إلى مشهد ثان يسمى: يوم الرقاد الطويل، يبدأ بملكين يفتنان الميت، ذكر خبرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(أوحي إليّ أنكم تُفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال. فأما المؤمن أو المسلم فيقول: محمد جاءنا بالبينات، فأجبنا وآمنا.
فيقال: نَم صالحاً، علمنا أنك موقن.
وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته)
و ذلك هو الحوار المذكور في الحديث الآخر، أنّ:(العبد إذا وضع في قبره و تولّى و ذهب أصحابه، حتى أنه ليسمع قرْع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه.
فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد صلى الله عليه وسلم؟
فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله.
فيقال: أنظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعداً من الجنة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعاً.
و أما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس.
فيقال: لا دَرَيت ولا تَلَيتَ.
ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنية، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين)
فيستيقظ الدود لتلك الصيحة، ويهجم هجومه فيستسلم الرجل ويذعن ويأخذ يقول كأنه يستزيد:
ضعوا خدي على لحدي ضعوه و مِن عَفْر التراب فوسٍّدوه
وشُقوا عنه أكفاناً رقاقاً وفي الرمْس البعيد فغيّبوه
فلو أبصرتموهُ إذا تقضت صبيحة ثالثٍ: أنكرتموه
وقد مالت نواظرُ مقلتيه على وَجَناته، فرفضتموه
فهنالك يكون السكون، حيث تصفر الرياح على تلال هامدة واطئة، فيصل صفيرُها إلى آذان أمهاتٍ ثكالى يخرجن ببلاهة يقودهن الصفير إلى قبور أبنائهن، لتسأل كل واحدة منهن ابنها:
بأي خديك تَبدّى البلى و أي عينيك إذاً سالا؟
فيجيبهن صوت بعيد، من حيث القبر الأخير المنزوي:
لم تبق غير جماجم عَرِيتْ بيضٌ تلوح، و أعظمُ نَخِره
و يثني آخر:
لا يدفعون هَواماً عن وجوههم كأنهم خشب بالقاع منجَدِلُ
أو يرد صوت ثالث:
هجودٌ ولا غير التراب حَشية لجنبٍ، ولا غير القبور قِبابُ
أو يخبرهن رابع:
قد أصبحوا في برزخ و محلة متراخية
ما بينهم متفاوت و قبورهم متدانية
فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل موحشين، وذوي محلة متشاسعين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الإخوان. قد اقتربوا في المنازل، وتشاغلوا عن التواصل حتى طحنهم بكلكَلِهِ البلى، وأكلهم الثرى وبينما هم كذلك إذ جاءهم من ليس هو بفضولي، وعساه عند عمر بن عبد العزيز أو عنبسه أو القرظي يتدرب، فيسألهم:
أين الوجوه التي كانت محجّبة من دونها تُضربُ الأستار و الكُلَلُ
و يميل بأذنه يريد جواباً منهم ما هم بقادرين عليه، فتنوب عنهم التلة الصغيرة تجيب ..
و أفصح القبرُ عنهم حين ساءلهم تلك الوجوهُ عليها الدودُ تقتتلُ
قد طالَ ما أكلوا دهراً و ما نعِموا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا
فيتولى عنهم بجناح من الرهبة، خفيض، و دمع على الخدين يفيض، يودع ويندب و يقول:
أهل القبور أحبتِي بعد الجذالة و السرور
بعد الغَضارة و النضارة و التنعّم و الحُبور
بعد الحِسان المؤنسات و بعد ربّات الخدور
أصبحتم تحت الثرى بين الصفائح و الصخور
· حساب و كتاب:
فيظلون بعد وداعه في انتظار مشهد ثالث يسمى: يوم البعث
يوم إنشقاقُ الأرض عن أهل البلى فيها، و يبدو السخط والرضوان ُ
يوم القيامة، يوم يُظلم ظلم الظالمين و يشرق الإحسانُ
{أن تقولَ نفسٌ: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} و تنادي أخرى: {هل إلى مَردٍّ من سبيل}
و تستغيث أخرى: {ياليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} .
فهنالك ثالِثة يكون الوجل:
هناك إن كنتَ قدَّمت مُدخرا تُسقى من الحوض ماءً غير ذي أسَنِ
وتُنشر الصحفُ فيها كل مُحتقبٍ من المخازي وما قدّمت من حَسَنِ
قد كنتَ تنسى وتلكَ الصحفُ محصية ما كنت تأتي، ولم تَظلِم و لم تَخُنِ
فالسعيد ذاك اليوم من كانت له في يومنا هذا بهذا عبرة، تَستخرج من عينه و قلبه عَبرة، تنطق لسانه رهبة وأسفاً، ليدندن في الليالي:
واحسرتي، واشِقوتي من يوم نشر كتابيه
وأطولَ حُزني إن أكن أوتيته بشماليه
وإذا سُئلت عن الخَطأ ماذا يكون جوابيه؟
و احَرَّ قلبي أن يكونَ مع القلوب القاسية
كلا ولا قدمت لي عملاً ليوم حسابية
بل إنني لشقاوتي وقساوتي و عذابيه
بارزت بالزلات في أيام دهرٍ خاليه
من ليس يخفى عنه من *** قُبح المعاصي خافية
· ما بعد هذا إلا التشمير
فأما صاحب القلب الحي فنقُصّ له قصة الأيام الثلاثة هذه. وأما أموات القلوب فذرهم في ركستهم يتخبطون.
{ذرهم يأكلوا و يتمتعوا و يلههم الأمل فسوف يعلمون} تَمتّعَ آكلةِ الخَضِرَةِ التي حدثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آكِلة الخَضِرَة أكلت.
حتى إذا امتَدت خاصِرتها: استقبلت الشمسَ.
فاجترت وثَلطت، وبالت.
ثم عادت فأكلت)
هكذا كالخرفان تماماً، يأكلون و ينامون، فيتغوطون، فيعودون إلى الأكل، ولا شيء آخر.
تعست حياتهم!!
فتدبر أمرك أيها المسلم و تأمل.
وقف ولا تعجل.
فإنك لممتحَن، و بكسبك مرتَهَن.
و إنه:
سيأتيك يوم لست فيه بمكرَم بأكثر من حَثو التراب عليكا
بل يرى أصحابك ذلك غاية الإكرم لك.
يقولون: كان رحمه الله صديقاً لنا، ولا بد أن نكرمه، وواجب أن نحضر لنحثوا التراب عليه.
وكم قد رأينا فتى ماجداً تفرّع في أسرة ماجده
رماه الزمان بسهم الردي فأصبح في التلة الهامدة
فاذكر و اتعظ و لا تنشغل بالأمل عن ذكر قصة الحصار والحصاد والأجل عَسَيتَ بفضل الله تنجو، و تفوز ببعض ما المؤمن يرجو ...