وليعلم الداعية أن مدافعة الخصوم لا تكون أشد من مدافعة الأعداء في ساحات القتال، والمدافعة في ساحة القتال لا تكون بالالتحام دائمًا وإنما هناك الاختفاء والسكوت أيضًا، ولما نادى أبو سفيان المسلمين في معركة أحد بأعلى صوته: هل فيكم محمد؟ هل فيكم أبو بكر؟ هل فيكم عمر؟ لم يجبه أحد، مع أن الجواب كان أبعث للغيظ في قلب أبي سفيان من السكوت، ولكن الموقف كان يستلزم السكوت.
فإذا حصل مثل هذا في سوح القتال فحصوله في الحياة اليومية أولى.
إننا أصحاب دعوة أيها الأخوة، ولا يجوز أن ننزل عن مستوى دعوتنا الرفيع إلى حضيض التراشق بردئ الكلام، ولا يعذرنا الله إذا تركنا هذا المستوى العالي الذي أكرمنا الله به بحجة أن غيرنا جرنا إليه، إذ المؤمن لا يترك درجة من درجات إيمانه باستغواء من شيطان أو بجهالة من جاهل، بل من الواجب أن نقول: الله اغفر لنا وله، واهدنا وإياه، ولا تجعل غضبنا لأنفسنا، ولا في عملنا شيئا من أهوائنا.
بعدما عاب الله إذاعتها في قوله:
(إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا) .
(والصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجر من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال؟ أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر.