إن العزلة والانفراد والزهد في معاناة العباد، إنما هو في الحقيقة دفن للنفس وقطع للنفع، وهي مباحة إذا لم تمنع من خير كحضور جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض. ومع هذا فإنها كما يصفها ابن الجوزي:"حالة الجبناء فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء".
السلف والنزول إلى الناس:
قال الوزير ابن هبيرة في قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل) وقوله عز وجل: (وجاء رجل من أقصى المدينة) قال:"تأملت ذكر أقصى المدينة فإذا الرجلان جاءا من بعد للأمر بالمعروف ولم يقعدا لبعد الطريق".
فلا يكون المؤمن عامر القلب إلا متحركًا محركا، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله ليسيحوا في البوادي يبلغون الناس دعوة الحق ويعلمونهم سنة سيد الخلق، كمعاذ وأبي موسى وغيرهم.
وقد تعلم السلف هذا وفقهوه وعلّموه الناس وحثوهم عليه .. فهذا التابعي الجليل عامر الشعبي يخبر أن"رجالًا خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبًا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم:"ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد. فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا"."
ومازال أهل الفضل يعملون بهذا ويتعرضون لهداية العباد، ويبذلون الجهد في نقل الدين إليهم، ونشر العلم بينهم، نصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين. فهذا مالك بن دينار يقول:"لو وجدت أعوانًا، لفرقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها: يا أيها الناس النارَ .. النارَ".
وعن شجاع بن الوليد قال:"كنت أخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا".
وكان الإمام الزهري ينزل إلى الأعراب فيعلمهم.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب
والأُسد لولا فراق الأرض ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملها الناس من عجم ومن عرب
وقال آخر:
كن مشعلا في جنح ليل حالك يهدئ الأنام إلى الهدى ويبين
وانشط لدينك لا تكن متكاسلًا واعمل على تحريك ما هو ساكن
وابدأ بأهلك إن دعوت فإنهم أولى الورى بالنصح منك وأقمن
والله يأمر بالعشيرة أولًا والأمر من بعد العشيرة هين
فهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها، لابد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح وتكلم .. وليس القعود والتمني من طرق الوصول، فافقه سير سلفك وقلدهم تصل وإلا فراوح مكانك فلن تبرحه.