فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 4219

التسبيح في دقائق الأسحار الغالية، والتعامل الأخوي الإيماني: ركيزتان متلازمتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وعينان نضاختان، تسكبان خيراً للدعاة لا ينضب."إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه"

· التقوى أولاً

وإنما التسبيح عنوان الإيمان وإسلام النفس لله تعالى، والإيمان عنوان التصور الموزون، وضمانة الثبات أمام مخاطر الطريق.

"ركيزة الإيمان والتقوى أولاً .. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل .. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تُقاته} .. اتقوا الله - كما يحق له أن يُتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهداً في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ وإلى مرتبة وراء ما ارتقى، وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام!"

{ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون} والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه، فمن أراد ألا يموت إلا مسلماً فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلماً. وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع: الاستسلام. الاستسلام لله، طاعة له، واتباعاً لمنهجه، واحتكاماً إلى كتابه. وهو المعنى الذي تقرره سورة آل عمران كلها في كل موضع منها.

هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق و جودها وتؤدي دروها، إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعاً جاهلياً، ولا يكون هناك منهج الله تتجمع عليه أمة، إنما تكون هناك مناهج جاهلية، ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية، إنما تكون القيادة للجاهلية""

"لا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر، فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي، فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل، ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر، وللفضيلة والرذيلة، وللمعروف والمنكر، يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال."

وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون .. ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية، ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد، ومن سلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك. ثم لا بد من الإيمان أيضاً ليملك الدعاة إلى الخير، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق، و يحتملوا تكاليفه، وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها، ويواجهون هبوط الأرواح، وكلل العزائم، وثقل المطامع ... و زادهم هو الإيمان، وعدتهم هي الإيمان، وسندهم هو الله .. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد، و كل عدة سوى عدة الايمان تفل، و كل سند غير سند الله ينهار""

و يحدثنا إقبال عما فعله هذا الإيمان من توحيد التصور الذي انتبه إليه سيد قطب فيقول:

وُحِّد الرئي لنا و الفكرة كسهَام جمعتها جعبة

نحن فكر و خيال واحد ورجاء و مآل واحد

فهذا أقصى ما يكون من الاتحاد، بأدنى ما يكون من الوسائل، فالرؤية واحدة، والفكر والخيال واحد، والرجاء واحد، والمصير واحد، كل ذلك يعطيه الإيمان، وما أسهل تناوش من ملك القلب لهذا الإيمان البسيط، ذي الأعطيات الثمينة.

· و نثني بالأخوة ..

"أما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة .. الأخوة في الله على منهج الله، لتحقيق منهج الله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً , وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} .."

فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام .. من الركيزة الأولى .. أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، وعلى أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة!

{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتنّ الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً""

"وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين .. على الإيمان بالله: ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله سبحانه , وتمثل صفاته في الضمائر، و تقواه و مراقبته، و اليقظة و الحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحب: الحب الفياض الرائق. والود: الود العذب الجميل. و التكافل: التكافل الجاد العميق .. و بلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغاً، لولا أنه وقع، لعد من أحلام الحالمين! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد و الجنان!"

وعلى مثل ذلك الإيمان، ومثل هذه الأخوة، يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان)

ومن هنا كانت هذه العودة إلى محاولة تأكيد معنى الأخوة كجزء من إحياء فقه الدعوة، فإن الأخوة شرعية دعوتنا وشعارها واسمها، وميثاقها الذي واثقتنا به، وكتابها الذي كتبته على نفسها، وما زالت تأتي دعوتنا المباركة بصائر جديدة من تجاربها المتكررة تسرع بها إلى ابتغاء كل وسيلة إلى هذه الفضائل وتجميع أنصارها إلى الله على التحابب، والتكافل، و التسامح، و مكملات هذه الرواسي الشامخات، وكمالها أن ترى من بعد وحدة الرؤية و الفكر و الخيال و الرجاء و المصير: وحدة القلب و الروح، بل و وحدة اللفظ أيضاً، فلا تكون هناك إلا صيحات واحدة. بحروف متقاربة، تعبر عن مفهوم واحد، كما أراد إقبال حين يقول:

نحن من نعمائه حلف إخاء قلبنا و الروح و اللفظ سواء

فلم يقنع بوحدة القلب، حتى توحدت الألفاظ.

· عقد الأخوة

و يظل هذا الاتحاد يتنامى حتى يكون عقداً واجب الوفاء، فقد تكلم ابن تيمية عن (عقد الأخوة) هذا وبين أن الحقوق التي ينشؤها إذا كانت من جنس ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنما هي:"حقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهذه ثابته لكل مؤمن على كل مؤمن وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة"

فيأتي العقد يؤكدها إذن، ولم يحصل خلاف إلا في التوارث عند عدم وجود القرابة كما كان الأنصار و المهاجرون يتوارثون بالتآخي الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أول مقدمه المدينة، فقد قال أكثر الفقهاء بنسخ ذلك، وأجازه أبو حنيفة و أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.

إن هذا العقد الأخوي يزيد الواجب الإيماني ثبوتاً، وما نراه إلا كبيعة سلمة بن الأكوع الثانية رضي الله عنه تؤكد بيعته الأولى حين كانتا في ساعة واحدة يوم الحديبية تحت الشجرة، كما جاء عنه في صحيح البخاري في قوله: (بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فقال لي: يا سلمة: ألا تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعت في الأول. قال: وفي الثاني) ، فكذلك المسلمون: أوجب الإسلام على بعضهم البعض حقوقاً، ويتبايعون بعقد أخوة في الثاني، زيادة خير، وابتغاء توثق، وعنصر تذكير، لتنشأ الجماعة المؤتلفة المتماسكة المستحكمة التي وصفها إقبال - رحمه الله - في رموزه حين يقول:

كل فرد بأخيه ائتلفا مثل در في سموط ألفا

لفهم في عيشهم معترك كل فرد بأخيه ممسك

من جذاب تتوالى الأنجم كوكب من كوكب مستحكم

وهكذا، فإنه ليس من عمل للداعية المسلم اليوم أثمن من غدوة يهب فيها لدعوته - بفضل الله - ناشئاً يغمس نفسه فيؤزره، فيستغلظ، فيستوي على عقد الأخوة، يعجب الدعاة، و يغيظ به الكفار.

· ميزان التصاحب

وهكذا تكون الأخوة بين الدعاة هي الركن المهم في تربيتنا بعد الصلاة والتسبيح، وما من جزء من أجزاء الحركة الإسلامية يقذف بنفسه في ميدان العمل العام قبل إحلال معاني الأخوة الإيمانية في أعضائه إلا ذاق وبال تساهله وتفريطه، ولا مناص من أن تَدرج بدايته على طرق الإيمان واستغلال دقائق الليل الغالية، ويكون فيه (أدب الأخوة) مترجماً في تناصح وتكافل وتحابب يجمع القلوب ويعلمهاالتحالم - إن لم يكن الحلم - عند إبطاء المقصر و تجاوز الملحاح، مثلما يعلمها المكافأة و الوفاء و الشكر عند إسراع المبادر و عدل خفيض الجناح.

لقد أحب الإمام البنا هذا الأدب للدعاة، ووضع له منهجاً بحيث"يرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات"، ورأى رحمه الله من تآخي الرعيل الأول ما أقر عينه حياً، وبرهان وفاء محبيه من بعده أن يكونوا دوماً عند محاسن هذا الأدب، و أن يفيئوا إليه عند أول انتباهه إذا أنستهم الغفلات.

إنها نعمة الأخوة.

يجعلها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام فيقول: (ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به) .

و يسميها التابعي مالك بن دينار: روح الدنيا، فيقول: (لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة: لقاء الإخوان، و التهجد بالقرآن، وبيت خال يذكر الله فيه) . و يحكر لها الشاعر صفة الذخيرة، فيقول:

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة و لكن اخوان الثقات الذخائر

و لهذا كثرت توصية السلف باتقان انتقاء الأخ الصاحب، لتصاب الذخيرة الحقة، والروح الحقة، فكان من وصايا الحسن البصري سيد التابعين أن: (إن لك من خليلك نصيباً، وأن لك نصيباً من ذكر من أحببت، فتنقوا الاخوان و الأصحاب والمجالس)

فأما أولاً: فقد عمموا صفة الخيرية بإطلاق تحكم الانتقاء، وعبروا عن ذلك بقولهم:

أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلاً

فاصحب الأخيار تعلو و تنل ذكراً جميلاً

ثم خصصوا ففسروا الخير بالتقوى، وقالوا:

نافس، إذا نافست في حكمة آخ، إذا آخيت، أهل التقى

ما خير من لا يرتجي نفعه يوماً، ولا يؤمن منه الأذى

ثم زادوا و ذهبوا أبعد، فعددوا صفاتهم، يعينونك على دقة الاختيار.

و يحسن في ذات الإله إذا رأى مضيماً لأهل الحق لا يسأم البلا

و أخوانه الأدنون كل موفق بصير بأمر الله يسمو إلى العلا

أبداً أظل مع التقاة، مع الدعاة العاملين

الناشرين لواء أحمد عالياً في العالمين

المنصفين المؤثرين على النفوس الآخرين

معهم أظل، مع التقاة، مع الدعاة المسلمين

· آفات المجالس:

وهذا الانغماس يؤدي إلى الاجتماع والمجالسة بالتالي، ولذلك وجب التعرف على سيماء المجالسة النافعة، و الابتعاد عن بعض المعايب التي تلحقها.

ويجمع ذلك: تحري النفع في الدين فإنها الكلمة الجامعة المانعة، والمادة الموجزة في قانون التآخي، يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فيقول:"إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه"

فشأن كل داعية ناشئ أن يرتاد لنفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه وعلمه، وأن يقصد المجالس التي تنفع دينه، ولا يعرف مجالس اللغو و اللهو و قتل الفراغ.

وشرح ذلك إقبال بشطر حاسم، يريد لنا أن لا نطيل القول بعده، فقال يدعو الله عز و جل:

هب نجيّا يا ولي النعمةِ محرماً يدرك ما في فطرتي

هب نجيا لقِنا ذا جنة ليس بالدنيا له من صلة

فهذا جماع القول:

إن صاحب الداعية المسلم: داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة.

صلته بالآخرة، و شوقه إلى الجنة.

بينه و بين الدنيا انقطاع و جفاء.

إن تحريت عنه: وجدته.

إنه هو صاحبك.

آخه، وأحببه، واصحبه، وأعطه مثل الذي يعطيك، وإلا فإنك أنت العاجز، فإنه كان يقال:

"أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان , و أعجز منه من ضيع من ظفر بهم)."

فاطلب الإخوان، نرفع عنك صفة العجز. ولابن القيم كلام موجز شامل في ذلك، يدل على تجربة داعية من أهل الوعي، شخص فيه أخطار المجالس فقال:"الاجتماع بالاخوان قسمان:"

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع و شغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، و أقل ما فيه أنه يفسد القلب و يضيع الوقت.

الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة و التواصي بالحق و التواصي بالصبر، فهذا من أعظم الغنيمة و أنفعها، و لكن فيه ثلاث آفات:

أحدها: تزين بعضهم لبعض.

الثانية: الكلام و الخلطة أكثر من الحاجة.

الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود""

والذي يؤسف له أن مخاوف ابن القيم هذه تحولت إلى واقع تحياه بعض مجالس الدعاة الحالية، ووجد التزين وسيلة ليظهر فينا، وزادت الخلطة بين الدعاة عن مقدارها الذي تحتاجه الدعوة وتحولت إلى شبه بطالة وشهوة تلهي عن مقصود تجمعنا في متابعة العمل مع الناشئة والجدد، وفي الانطلاق خلال المجتمع العام لتبليغه كلمة الإسلام.

· و المرء يعجب من صغيرة غيرة!

و لو أن عادتَي التزين و البطالة تقفان عند حدهما لعولج أمرهما بمجرد استنهاض وتذكير خفيفين، ولكن هاتين الآفتين تتعديان في آثارهما، ويتولد عن اجتماعهما خلق الضيق عن العفو، بينما يشير استقراء الحياة الجماعية إلى ضرورة خلق التسامح والمرونة لمن يحياها.

وقد يظن البعض أن مثل هذا الكلام أقرب إلى مواعظ العامة منه إلى بحوث فقه الدعوة، ولكن من يعاني إدارة العمل اليومي للدعوة الإسلامية يدرك ضرورته، و يعرف كم من الترف، بل و الخطر، يكمن فيمن يتعالى عن مثل هذه المواعظ ليهمس بمعاني فنون التخطيط والعمل السياسي في آذان من تضيق صدور بعضهم عن معاني التسامح و العفو عن صاحب الزلة و الخطأ، ولا بد من اقتران التوعية العملية للداعية المسلم بالتربية الخلقية الإيمانية، ولا بد من سيرهما معاً.

وهذا هو مصدر إصرار الأقدمين و المعاصرين على التوصية بسعة الصدر، و التحابب الأخوي.

يقدمهم الفضل بن عياض فيقول:"من طلب أخاً بلا عيب صار بلا أخ"فضع في حسابك عندما تعقد (عقد الأخوة) أن من تتعاقد معه غير معصوم.

ويأخذ الشعراء دورهم في التوصية، فيقول مشرقيهم:

لا لوم في خطأ ولا تثريبا

و يقول مغربيهم:

سامح أخاك إذا أتاك بِزلَّة

ويقول ثالثهم:

إذا ما بدت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالاً لزلته عذراً

أحب الفتى ينفي الفواحشَ سمعُه كأن به عن كل فاحشة وقرا

سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ولا مانع خيراً، ولا قائل هجرا

ولكن كم أرتنا الأيام من قال هجرا، وتراه إذا ما دعوته إلى اللين يعبس ويبسر، و يذهب مغاضباً، كأنما تدعوه إلى شيء نكر، و إنما هي سذاجة نفسه نريد أن نقيه إياها، وإنما هو تربص العدو نريد أن نبعده عنه، بما عرفنا عن عدونا من قعوده للدعاة صراط أخوتهم المستقيم.

وهاؤم تفحصوا تاريخنا، كم من منتصر لنفسه استعجل فخاصم، فما استطاع من قيام وما كان منتصراً، و لفته دوامة العيش المعقد فضاع في خِضَمّها منسياً، يأكل و يشرب، و ليس له من بعد ذلك نوع وجود.

إن جموع هؤلاء المغاضبين إنما تأخرت و ضاعت في تيار الدنيويات بما كانت بموازين الأخوة تخل، ولو أنهم استقاموا على الطريقة الأولى وراغوا إلى فقه الأخوة الموروث، لما مسّهم اللغوب و الضياع.

إن الفقه الذي ورثناه عن التابعي بكر بن عبد الله المزني ينص على إنك:"إذا وجدت من أخوانك جفاء فذلك لذنب أحدثتَه، فتب إلى الله تعالى، و إذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله تعالى)."

فاتهم نفسك إذا عوملت بجفاء أو رأيت نوع تقصير في حقك الذي تظنه قبل أن تبادر بالهجوم.

إن هذه النصوص القديمة من فقه الأخوة الإيمانية، يصوغها عبد الوهاب عزام في العصر الحديث في بيتين جامعين من مثانيه و يقول:

في فؤادي بحران: ملحٌ وعذب وبه صرصر وريح رخاء

فهو مُرّ على البغاة عصوف وهو عذب لصاحبي و صفاء

فأنت مطالب أيها الداعية المسلم أن تملأ قلبك من مشاعر الأخوة في الله لإخوان العقيدة بقدر ما يجب أن تضع فيه من مقت أهل الباطل البغاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت