(إن قيادتنا للحياة هي القيادة، وليست مراكز المسؤولية التي تضعنا فيها التوزعات الدعوية ويمنحنا إياها أمير الدعوة.
صانع الحياة يدوس الألقاب برجله ويحطمها، ويمضي يصنع الحياة من موطن التخصص والفن والإبداع.
هو مليء النفس ولا يحتاج أحداً لملئها.
الذي يُطالب بالمسؤوليات والألقاب الدعوية والنقابة والإمارة على المؤمنين إنما هو العاجز الذي لا يُحسنُ علماً ولا تخصصاً ولا فنّاً، فيطلب التعويض بإنعام الألقاب عليه، ويعارك، ويختلف، ويناضل دون مكتسباته السابقة، و يملاء الكواليسَ همساً وسعياً، و أما المقتدر فيتقدم تقدم الواثق) [1] ..
وكما أن الإيمان بالجنة يدفع إلى سباق في الجهاد، فإنه أيضًا يدفع إلى سباق آخر في الطاعة والحب الأخوي والصفاء القلبي، بين أفراد الجماعة المسلمة، كل يحرص على أن يكون ضمن المقدمة السابقة، والزمرة الأولى التي تدخل الجنة، بما كان لهم من الوحدة، وأنهم -كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم-:-
(لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد) [2] .
فهي طاعة تبغي أن تصيب هذا الصفاء، وتنسب صاحبها إلى هذه الزمرة الفائزة، من الإيمان تنطلق، وبقواعده تسترشد، وإليه تعود، وليست هي استكانة خاضع راهب، ولا تملق طامع مصلحي راغب.
إنها طاعة إسلامية مميزة، ليست ككل طاعة، يعتبرها الدعاة ركنا في إيمانهم، لا كمال له بدونها، ويعتوره النقص بفقدانها.
وذلك الذي أشار إليه الإمام الشافعي حين يقول:
(الحر من راعي وداد لحظة، أو انتمي لمن أفاده لفظه) .
وهذه الدعوة علمتك دهرًا معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرًا: راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت.
(1) صناعة الحياة / 64
(2) صحيح البخاري 4/ 143.