فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 4219

_ ومن فقه الإصلاح: حكمة المنهج، وجميل الصبر، وطيب الثناء، وخبرة بأحوال الناس، ومعرفة بأدواء النفوس، وإحاطة بخواطر المتخاصمين، وعقول المتباغضين.

على أن هذا الذي ذكرناه لا يقدر عليه إلا ذوو المروءات من المسلمين الذين شرفت أقدراهم وكرمت أخلاقهم وطابت منابتهم .. أصحاب العزيمة الراشدة، والنوايا الخيرة، والإرادة المصلحة، فكن منهم وعش في أكنافهم.

جبلت النفوس على الميل إلى العظمة وحب الكرامة، وشبت في الغالب على الأنفة والرعونة، ونشأت على التقيد بالإلف والعادة، فمن أراد صرفها عن غيها إلى رشادها، وحاول الخروج بها عن مألوفاتها وعاداتها ولم يَمزُج مرارة الحق بحلاوة التلطف، ولم يسهل صعوبة التكليف بطلاوة الرفق واللين، كان إلى الانقطاع أقرب منه إلى الوصول، ودعوته أجدر بالرفض من القبول، وكان كمن رام أن يطهر ثوبًا من الدنس فأوقد فيه نارًا فأحرقته، ألا ترى قوله تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه:44] ، فإنه يفيد أن لين القول محل رجاء التذكر والاتعاظ، والمعد للنفوس للخوف والانزجار.

روى أبو أمامة: أن غلامًا شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"يا نبي الله، أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قربوه، أدن. فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ - وزاد ابن عوف أنه ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداءك - فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال:"اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه. فلم يكن شيء أبغض إليه منه، يعني الزنا". [رواه أحمد بإسناد جيد، رجاله رجال الصحيح] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت