فكان لهذا التلطف في القول والرفق في المعاملة مع تحري الإقناع شأنه في نجاح المرشد في مقام الدعوة إلى الخير، والقرآن الكريم يرشد إلى ذلك في مواضع كثيرة، تأمل قوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125] ، أي أحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين، ليسكن شغبهم وتلين عريكتهم، وهذا بالنسبة للمعاندين المجادلين بالباطل، وهو مثل قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سبأ:24] ، أي: وإن أحد الفريقين من الموحدين والمشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال الواضح، فإن هذا بعد ما تقدم من التقرير البليغ الناطق بتعيين من هو على الهدى، ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح بذلك لجريانه على سنن الإنصاف المسكت للخصم الألد، ونظيره قول حسان رضي الله عنه:
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخير كما الفداء
وقوله: (قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [سبأ:25] . وهذا أبلغ في الإنصاف وأبعد من الجدل والاعتساف، حيث أسند فيه الإجرام إلى أنفسهم، ومطلق العمل إلى المخاطبين، مع أن أعمالهم أكبر الكبائر، فما بعد هذا التلطف طريق يسار فيه ولا وراء هذا الرفق غاية ينتهى إليها.
التقديم بذكر المحاسن:
وهذا من أبواب فتح قلوب السامع .. أن يذكره الداعية بخير، ويصفه بجميل، كأن يبين ما له من حسب، وما فيه من فضل، وما عليه من نعمة، ليجذب قلبه إليه، ويُعِدّه بذلك لقبول الموعظة، إذ لا ريب أن ما يكون للإنسان من شرف ورفعة مناط التحلي بالفضائل والتخلي عن النقائص؛ لأن الذي يرى نفسه مفضلًا مكرمًا ذا شرف ومنزلة يترفع عن الدنايا والخسائس التي تدنس شرفه وتذهب بفضله، أما الذي يرى نفسه رذلًا ساقطًا خسيسًا، فإنه لا يبالي ما يفعل.