فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 4219

وهذا منهج القرآن الكريم وسبيله في الوعظ كما في قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) [البقرة:47، 48] حيث ناداهم باسم أبيهم يعقوب - عليه السلام - الذي هو أصل عزهم ومجدهم، ومنشأ تفضيلهم، وطلب منهم أن لا ينسوا نعمته عليهم بشرائعه ورسله، وتفضيله إياهم على العالمين بالنبوة والملك، ولم يعرف شعب من الشعوب يزاحمهم في هذه المزية!! إحياءً لشعور الكرامة والفضل في نفوسهم، ثم حذرهم يومًا عظيمًا سيقع فيه من الأهوال ما لا منجاة منه إلا بتقوى الله سبحانه في كل الأحوال، ومراقبته تعالى في جميع الأعمال.

وهذا أسلوب حكيم في الدعوة، فينبغي للداعي أن يبدأ بإحياء إحساس الشرف وشعور الفضل والكرامة في نفوس المخاطبين، لتستعد بذلك لقبول النصيحة وتتغلب بهذا الإحساس وذلك الشعور على عوامل الهوى والغواية، فإن النفس إذا عرفت علوها، واستشعرت كرامتها، وسمعت ما في الرذائل من الخسة حملها ذلك الشعور (شعور الرفعة والكرامة) على النفرة من التسفل بارتكاب تلك النقائص، وكان ذلك من أحكم الوسائل إلى مساعدة المرشد على بلوغ غرضه من نفوس السامعين.

التلويح لا التصريح

وهو من دقائق هذه الصناعة ـ أعني صناعة الدعوة ـ أن يصرف من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بتلويح في المقال، وتعريض في الخطاب ما أمكن، فالتعريض في ذلك أبلغ من التصريح، إذ التلويح أوقع في نفس المدعو، وأعظم تأثيرًا في قلبه، وأدعى إلى التنبه للخطأ مع ما فيه من مراعاة حرمة المخاطب بترك المجاهرة بالتوبيخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت