إن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان، وخلقه الفاضل هو السحر الذي يجذب إليه الأفئدة ويجمع عليه القلوب، أتظن جمال الباطن أضعف أثرًا من وسامة الملامح؟!! كلا .. إن طبيعة البشر محبة الحسن والالتفات إليه، وأصحاب القلوب الكبيرة لهم من شرف السيرة وجلال الشمائل ما يبعث الإعجاب بهم والركون إليهم، ومن ثم فإن الداعية الموفق الناجح هو الذي يهدي إلى الحق بعمله، وإن لم ينطق بكلمة؛ لأنه مثلٌ حيٌ متحرك للمبادئ التي يعتنقها، وقد شكا الناس في القديم والحديث من دعاة يحسنون القول ويسيئون الفعل!!
والواقع أن شكوى الناس من هؤلاء يجب أن تسبقها شكوى الأديان والمذاهب منهم؛ لأن تناقض فعلهم وقولهم أخطر شغب يمس قضايا الإيمان ويصيبها في الصميم، ولا يكفي - لكي يكون المرء قدوة - أن يتظاهر بالصالحات أو يتجمل للأعين الباحثة، فإن التزوير لا يصلح في ذلك الميدان، ولابد أن ينكشف المخبوء على طول المعاملة وامتداد الزمن وتمحيص الأحداث، وسرعان ما يبدو معدن النفس على الحقيقة العارية، ذلك أن النفس المتحركة من هذا الروح فهي كالآلة الدائرة مما يعمر خزانها، أما النفس المحرومة من هذا الروح فهي كالآلة التي تدفع باليد حينًا لا يلبث أن يغلبها العطل والعطب فتتوقف وتسكن، والمصيبة الطامة أن بعض المنافقين يحسبون أن تمثيل دور الإيمان لا يحتاج إلا إلى شيء من التكلف والمصانعة، كما أن بعض المتهاونين يحسبون أن لباس التقوى يمكن نسجه بشيء من إدمان الرسوم وإتقان الهمهمة، وهذا ضلال بعيد، فالأمر أخطر مما يظنون.
إن التدين الحقيقي صورة لجوهر النفس بعد ما استكانت لله ونزلت على أمره واصطبغت بالفضائل التي شرعها، وترفعت عن الرذائل التي حرمها واستقامت على ذلك استقامة تامة.