نعم! إنها خدمة يَشْرُفُ بها العبد وليست مَهْنَةً قَسْرية يُهان بها، أو منصبا تشريفيا يخيّر بين قبوله أو الإعراض عنه، وليست تبرعا ولا فرض كفاية ولا مجرد أداء واجب، وإنما خدمة الدين ركن من أركانه وضروريٌّ من ضرورياته وأساس من أسسه. ولقد كان هذا المعنى مستقرا عند السلف الصالح استقرارَ المعتقَد في القلوب، ولم يحتاجوا أن يستدلوا له أو أن يقرِّروه لأنفسهم بشتى وجوه الاستدلال، بل كان يكفي أن يُسْلِمَ الواحد منهم أو يستقرَّ الإسلام في قلبه ليعتبرَ نفسه بعد ذلك مَنْذورَةً لهذا الدين، ويجنِّدَها في خدمته، ويَصرِفَ مجهوداتِها في نصرته والذَّوْدِ عن حَوْزَتِه.
إن هذا الدين إذا تأمّله المتأمِّل عَلم أنه صِيْغَ ليكون المتمسّكُ به داعيةً إليه، ودَلاّلًا عليه. ومع مَزِيد تأمّل يرى المرء أن مَن أراد أن يكون مسلما دون تَبِعات ومسئوليات تجاه إسلامه فإنه رَامَ ضرْبا من التديّن شبيهًا بتدين الرهبان في الكهوف والصوامع والبِيَعِ، وقد تقرر أنه لا رهبانية في الإسلام.
إن من أوائل الأوامر الربانية التي نزلت في القرآن: الأمر بالنِّذارة وتبليغ الوحي للخليقة، يقول تعالى: (يا أيها المدّثر. قُمْ فأنذِر) . ثم توالى بعد ذلك ما يمكن أن نسمّيَه فقهَ الدعوة، حيث تضمّن التنزيل أوامرَ عُنيتْ بالشان الدعوي مثل قوله تعالى: (فاصْدَعْ بما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عن المشركين) وقوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) وقوله: (ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادِلْهم بالتي هي أحسن) ، وهي آيات ترسم صورة المسلم الداعية الذي يتبع نهج نبيه صلى الله عليه وسلم.