كذلك مظهر الداعية وملبسه، شريك في التأثير، وكثير من دعاة الإسلام يستهويهم أجر البذاذة الإيمانية التي يعتقدونها، فيخالفون عرف المثقفين في اللباس، ويهملون هندامهم، ويلبس لهم من تبرير مقنع، والناس اليوم يلزمها من رفق خطابنا لها ما كان يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- للوفود، فإنهم وإن كانوا اليوم مسلمين، إلا أن المعاني الإسلامية التي نتداولها معهم غريبة عليهم، وأوشك أن يصبح المعروف منكرًا، ولا بد أن نتجمل للناس في حدود المباح بما لا يخرجنا عن سمت التواضع، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتجمل للوفود [1] ، باللباس الحسن الأنيق، والنظافة المبالغ فيها، ومس الطيب، ليألفونه، من غير تقليد للمسرفين، ولا جنوح إلى التشبه بالمتبطرين المبذرين، فإن التوسط ما زال هو الخير في كل الأمور، وربما كفته البدلة الواحدة لسنين.
وسيقول قائل: أين إذن ما نعهده من فضيلة ميزة البساطة في الداعية، وكيف نتقرب إلى العامل والفلاح إذا أقررنا الأناقة بندًا في صياغة الداعية؟
وللمعترض المستعجل حق في ذلك، ف إن هذه الوصايا تثير الالتباس، ولكن من يجمع كلامنا إلى بعضه، ويرى كل الذي كتبناه: يدرك أننا نسبقه إلى إنكار التكلف، وأننا إلى الزهد أقرب، وما ثم لدينا إلا رغبة في إبعاد الداعية عن إهمال مظهر نفسه، فإنك ربما رأيته لا يقص شعر رأسه حتى يطول، أو لا يحلق ذقنه لأيام إن لم يكن من أهل اللحى، أو يلبس القميص لأيام دون غسله، أو لا يغتسل هو أياما، وأما الملبس الغالي المتتبع لآخر مبتكرات الخياطة فنحن أسبق من كل سابق في النطق بكراهته وذمه.
إن البعض يري أن هذه الأمور من الصغائر التي لا تناسب التذكير القيادي، وهي في عرف الأوساط السياسية والفكرية كبائر.
(1) فتح الباري 6/ 12، طبعة الحلبي، وأما المكروه فهو التجمل لهم بالحرير والحلة والسيراء.