وإلا، فإن لنا حين نرى لسانًا قلقا لاحنا أن نتهم القلب الذي تحته بعدم استكمال الهداية، وأنه بحاجة إلى الواعظ الناصح الذي يعلمه الفصاحة في الحق، ويدق له وتدا يثبته في تيارات الأهواء.
وإنما هو نموذج دعاء حفظه الرواة فروه لك، تعليما للغة الدعاء وتلقينا، كي تقول لأخيك يوم ترى بوادر الفتن: (اللهم اهد قلبه وثبت لسانه) .
تقولها بعد قولك.
(اللهم اغفر لي، ولأخي هذا) .
معًا، مرة بعد مرة، كلما لقيته.
فقه الدعوة، فمن واجبه أن يستمر في عرض غرر النصائح، لعل حريصا ينتفع، أو جريئا يتأنى، ليتأمل وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ يقول له:
(أقلل من الكلام، فإنما لك ما وعي عنك) [1] .
أو وصية عمر الفاروق رضي الله عنه إذ يترحم فيقول: (رحم الله امرءا أمسك فضل القول، وقدم فضل العمل) [2] .
أو وصية أبي الدرداء رضي الله عه لما ذهب في الصراحة لأبعد منهما فقال:
(أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان اثنتان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تقول) [3] .
تلك وصاياهم.
كانوا جيل جهاد وبناء، ربته المعاناة والممارسة، وصقلته الشدائد، وعرفوا من خلالها قدرة البذل الصامت على تناوش الغايات، فخافوا أن يقطع هذر ما نصرهم المسترسل في سيره.
إن اللغو شين كله، وضرره أيام التمكين ليس أقل من ضرره أيام المحن.
وعلى دعاة الإسلام أن ينطلقوا اليوم من هذه الحقيقة، فينطقوا فيا بينهم بالخير الواسع، والمعني الكبير، والفقه المفيد، في عبارة ضيقة المبنى موجزة، فإن الإكثار مظنة الخطأ، من غيبة، أو تهمة برئ، أو اضطرار لاستعمال دليل ضعيف، ومن وجد في نفسه بقية شوق إلى تحريك اللسان فدون القرآن، ومزيد التسبيح، والحمد. ودونه مجالس الواهمين والدنيويين، يصدع فيها بحق الإسلام ما شاء.
(1) عيون الأخبار 1/ 109.
(2) عيون الأخبار 1/ 330.
(3) عيون الأخبار 1/ 177.