فهرس الكتاب

الصفحة 3322 من 4219

يدعو عمر بن عبد العزيز إلى السكوت، فيقول: (إني لأدع كثيرا من الكلام مخافة المباهاة) [1] .

وهذا من أخفى الأبواب التي يقتحم منها الشيطان على الداعية، إذ تأتيه بعض البلاغة، سليقة أو تكلفا وتصنعًا، فتعجبه، فيقول من غير نية تعليم أو نصح، فلا يبارك الله بها، ولا يأبه أصحابه لها بالا، فيتعصب لها، ويجد في قلبه شيئا تجاههم يضعف مشاعره الأخوية.

* وتظل مسوغات الصمت الأخرى من بعد هذا تستجلب لها خيارًا آخرين، كما ا ستجلبت المهلب وبشرًا لحافي، فيقول التابعي الكبير عطاء ابن أبي رباح:

(إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا ثلاثًا:

كتاب الله أن يتلوه.

أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر.

وأن ينطق بحاجته التي لا بد منها).

* ويضر الحسن البصري -إذ يختار لنفسه الصمت- مثلا للمفكر والمهذار يقول فيه:

(كانوا يقولون: إن لسان الحكيم من وراء قلبه، فإذا أراد أن يقول: يرجع إلى قلبه، فإن كان له: قال، وإن كان عليه: أمسك وإن الجاهل قلبه في طرف لسانه لا يرجع إلى القلب، فما أتى على لسانه تكلم به) [2] .

* ويتولى علم السير تعريفنا بحكيم من هؤلاء الذين عناهم الحسن، يعرض كلامه على قلبه، فلا ينطق قبل أن يعد لنفسه جوابًا.

اسمه: حاتم الأصم، زاهد قديم رأوه قليل الكلام، فسألوه، فقال: (إني لا أحب أن أتكلم كلمة قبل أن أعد جوابها لله، فإذا قال الله تعالى لي يوم القيامة: لم قلت كذا؟ قلت: يارب: لكذا) [3] .

*وعد الفضيل بن عياض كثرة الكلام خصلة من ثلاث خصال تقسي القلب، وزاد فجعله مرة أخرى علامة من علامات النفاق إذا اقترن بقلة العمل، فقال:

(المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل) .

فطلب من حملة القرآن، من أجل ذلك، أن يقفلوا أفواههم إلا من حديث خير، فإن:

(1) طبقات ابن سعد 5/ 368.

(2) الزهد لابن المبارك/131.

(3) تاريخ بغداد 8/ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت