وآخر تحجز له وظيفة في المنامة، وهو من حملة الماجستير، ويشجعه أصحاب له، وينتظرونه، فنقول له: المنامة تنيم القلوب. وبيشاور توقظها. وهي تهبط بالهمم، وبيشاور تعليها، فيزيد إلى خطوته خطوة أخرى فقط، فإذا هو بأجواء الجهاد يسرح، ويقرب المجاهدين يمرح، وراتبه النقي ليس أقل من الراتب المكدر.
ومتجردان على حدود خراسان، يبيعان الأمشاط على منضدة في مدخل سوق، ليس غير فيكون رزق كل منهما ثلاثة أمثال راتب الموظف الجامعي هنا:، فمن الله نعمه، وممن خلفهم دعاء، ومن الرافعي تحليل لمثل حالهم، حيث اكتشف.
إن الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة. وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها الميسرة، أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تبتلى بهموم الكثرة الخيالية. ومثلها في الهم مثل طفيلي مغفل، يحزن لأنه لا يأكل في بطنين) [1] .
وجعل ابن الجوزي القناعة رأس القواعد الإيمانية، فقال:
القناعة بما يكفي، وترك التشوف إلى الفضول: أصل الأصول).
ثم قال:
(والعز ألذ من كل لذه، والخروج عن ريقه المنن ولو يسف التراب أفضل) [2] .
وليس يليق للدعاة أن تستولي عليهم الحساسية التي تتركهم في تبرم لو فحصت سببه لما ألقيت ثم غير صغار.
* فالجزع عند المعاتبة - مثلاً - ينحت نحتا ضاراً من قابلية استدراك الخطأ ومعالجة العيب، وكل داعية لا بد خطأ، ولا فر من طبيعته الإنسانية، وليس يصح لأحد أن يألم لكلمتين خفيفتين تقالان له، بل حتى ولا لثقبيلتين.
وجد في امرأته نقصا أن يجزع، في صويحبات أصحابه ربما هن كذلك أيضا ولسن بصحابيات، واقرب للمروءة أن يصبر، بلا إذاعة للشكوى، وليعمل عملا صالحاً يدخله الجنة، فهنالك الحور العين يتخير منهن ما يشاء.
(1) - وحي القلم 1/ 33.
(2) - وحي القلم 1/ 33.