الذكاء في الدعوة إلى الله له دوره الكبير والمؤثر في نشر هذه الدعوة بين الناس وفي مدى قبولهم لها وانتفاعهم بها .. ومن أكبر ما يعين الداعية على ذلك مراعاة حال المدعوين وما يناسبهم في لحظتهم من أنواع الخطاب وهو ما يسمى بمراعاة مقتضى الحال.
فينبغي للمرشد (الداعية) النابه أن يلاحظ ما تقتضيه أحوال الأشخاص والمجتمعات الخصوصية والعمومية، ويراعى أيضًا الزمان والمكان من إلقاء درس أو خطابة أو شدة أو لين أو جدل بالحسنى أو ضرب مَثَل أو رواية قصص أو إيجاز أو إطناب فيما يقول إلى غير ذلك مما يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والجامع لهذه المتفرقات قول الله جل ثناؤه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125] ، فإنه تعالى أمر النبي صَلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى دين الإسلام - الذي عبر عنه تارة بالصراط المستقيم، وأخرى بملة إبراهيم - بالمقالة المحكمة وهي الحجة القطعية المزيحة للشبهة، وذلك بالنسبة لأولى النفوس القويةِ الاستعداد لإدراك المعاني الطالبين للحقائق وهم الخواص، وبالخطابيات المقنعة والعبر النافعة على وجه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتتوخى الخير لهم، وذلك بالنسبة لذوي النفوس الكدرة ضعيفة الاستعداد الشديدة الألف للمحسوسات القوية التعلق بالرسوم والعادات، ولكن لا عناد عندهم وهم العوام، وبأحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار الوجه الأيسر، واستعمال المقدمات تسكينًا لشغْبهم وإطفاءً للهبهم، كما فعل الخليل عليه السلام، وهذا بالنسبة للمعاندين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، لما غلب عليهم من تقليد الأسلاف، ورسخ في نفوسهم من العقائد الباطلة فصاروا بحال لا تنفع فيه المواعظ والعبر، بل لابد من إلقامهم الحجر، لكن بأحسن طرق الجدال لتلين عريكتهم وتزول شكيمتهم.