فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 4219

لكنها عندنا هي حياة القلب والعقل معًا، ولا بد من امتزاج العواطف الإيمانية بالعقل الاتباعي، ولا العقل الحر الأهوائي، إلا ما يكون من العمل بإشارة العقل السليم لاكتشاف المصالح الكامنة ي الأعمال لتكون دليلا لنا إذا لم يكن هناك نص شرعي، وليس هو العقل الذي يتجاوز صحاح النصوص فيتخبط.

ومازالت هذه الساحة مجال صراع منذ القرون الأولى، ومازال أمرنا يقوم على نقد العقلانية المعتزلية، وترك القياسات المفرطة المعطلة للأحاديث الصحيحة.

فإن من لا يضبط نفسه: لا يؤثر في غيره.

وقد قال إقبال:

كل من في نفسه لا يحكم هو في حكم سواه مراغم

أي: يحكمه سواء رغما عنه، وكما أنه في النفس فهو في الحكم السياسي العام أيضًا، تحكمه الأحزاب، ومجاميع المغامرين، حتى ليجد السفيه ثغرة يلج منها فيتصدر، وذلك ما أخبرنا به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتحدث عن علاقات الساعة قائلا يصف شدة الانحراف:

(إنها ستأتي على الناس سنون خداعة: يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة: قيل وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة) [1] .

وكم من رويبضة اليوم يقود، غفلة الشعب فقط هي التي أوصلته، يعطيه في الانتخابات الأصوات على غير ما هدى وبلا ميزان، أو يعزف عن العمل الجماعي المنظم فيؤسس السفيه عصابة ترفعه.

والوعي إزاء هذه الفلتات وعيان:

وعي رجل يعاتب الشعب، ويستنكر غفلته، ويقف ع ند مجرد التبكيت، ويدقق في محاسبة السذج، وتقريعهم، ويستعلى مستشفيا، ويترك الجيل المخدوع في ورطته، منزويا هو بوعيه، ويظل يردد من مقبعة مرة بعد مرة أن:

يا شعب لا تشك الشقاء ولا تطل فيه نواحك

لو لم تكن بيديك مجروحا لضمدنا جراحك

أنت أنتقبيت رجال أمرك وارتقيت بهم صلاحك

فإذا بهم يرخون فوق خسيس دنياهم وشاحك

(1) حديث صحيح في مسند الإمام أحمد برقم 7899، بتحقيق أحمد محمد شاكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت