فهرس الكتاب

الصفحة 3336 من 4219

فأول قبس يتناوله الذي يري الفتنة مقبلة: قبس الاستعاذة بالله منها، كما أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين لقننا التعوذ منها بإطلاق، وكما فعل عمار بن ياسر رضي الله عنه لما تعوذ من فتنة الخلاف بين المسلمين، فقال: -فيما أخرجه البخاري- حين بدت بوادرها: (أعوذ بالله من الفتن) .مع أن عمار قد شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه من فئة العدل، وتقتله الفئة الباغية. قال ابن حجر في الفتح: (فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق، لأنها قد تفضي إلى وقوع ما لا يري وقوعه) [1] .فقل مع عمار أيها الداعية وردد: أعوذ بالله من الفتن، وأكثر منها في كل أحوالك: يعيذك الله منها ويقبلك ويعصمك وإن كنت ساذجا، فإنه سبحانه معين معيذ يرحم رجفة الخائف، وذلك الظن به عز وجل دومًا، فإن تجربة المستعيذين تجزم بأنه: إذا اعتصم المخلوق من فتن الهوى بخالقه: نجاه منهن خالقهولكن انتبه: ليست الاستعاذة العابرة تجزيك بل أقرع باب الله بإلحاح، واهجر من يأبي القرع معك وتجنب صحبته، واطرح نفسك على عتبة ربك العزيز بذل، حتى تسمع نداء الأمان. تلك وصية الناصح الحكيم، إليك وإلى الزاهد يوسف بن الحسين، لما شكا له يوسف من نفسه أخلاقا لا يرضاها، وركونا إلى الدنيا يفتنه، فكتب إليه أن:

(بسم الله الرحمن الرحيم: وصل كتابك وفهمت ما ذكرت، ومخاطبك أكرمك الله شريكك في شكواك، ونظيرك في بلواك، إن رأيت أن تديم الدعاء وقرع الباب، فإن من قرع الباب ولم يعجز عن القرع: دخل، وإن تهيأ لك ما تريد من الصفاء والطهارة فدع ما أنت فيه من البلاء واقتراف مساوئ لا تجدي منفعة في دينك ولا دنياك، وتجنب قرب من لا تأمنه على نفسك في مواصلة الغفلة والبطالة، واستعن على ذلك كله بالقناعة والتجزي، وسله أن يمنك عليك بتوبة) .

(1) فتح الباري 2/ 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت