انظر آثار حجر الفتنة في القلوب تحكم عليها، ولا تغترن بظاهر من الركود موهم، ولا تستكبرون وصفنا للمفتتن أنه كالكوز المنكوس، فكم رأينا من انتهت به أيامه إلى ترك الصلاة.
لذلك كانت وصية السلف أن: التمام التمام. أرسلها أبو بكر رضي الله عنه من وراء الصحراء إلى خالد بعد انتصاراته في العراق، أن: (ليهنك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم: يتم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء ... ) [1] .يطلب منه الإتمام الصامت في غير وقوف عن السير حتى يكون كذلك البدر. ثم ورثها عن خالد أحمد بن حنبل، فما وقف، حتى قال صاحبه المحدث إبراهيم الحربي:
(لقد صحبته عشرين سنة، صيفا وشتاءًا، وحرًا وبردًا، وليلا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس) [2] .
لم يعرف الوقوف فضلا عن التخلف ورجوع القهقري، إنا هو المرتقى المتعجل المتمم.
العيب من شأنه أن يتتابع بشكلين مزدوجين: عدوى وتنوعا، فيكون كثيرة تقعد بصاحبها وتسري إلى غيره كعدوى المرض.
أما العدوى: فإن وحشته الأولى قد أوقفته عن التقدم بما رجف فؤاده، لتفرده في خصلة خير قد زهد فيها غيره، ثم يخطئ ويأتي عيبا، ومن شأن البشر الخطأ، فيربا بنفسه ثانية عن التفرد في الخطأ ويعتاد طلب الأنيس، وينسى طريق التوبة القريب، فيكون داعيا للخطأ، كما قال زهير ابن نعيم:
(يخطئ فيحب أن الناس قد أخطأوا) فيصبح بالفتنة في كل واد، ينشرها أفقيًا، ويصير راجفا مرجفًا.
وأما التتابع النوعي: فلأن العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان، وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال:
(من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة) .
(1) تاريخ الطربي 3/ 385.
(2) مناقب أحمد لابن الجوزي /140.