وقوله - صلى الله عليه وسلم:"غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها"يعني إذا كنت لا أستطيع إنقاذكم من النار إلا بدخولكم في الإسلام فإن ذلك لا يمنعني من أن أصلكم في الدنيا لقرابتكم مني.
وهذا الاستثناء له أثره الكبير في إبقاء حبل الوصل مع عشيرته، لأنهم وهم كفار لا يهتمون إلاَّ بالحياة الدنيا، وقد أعلن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لن يتغير شيء في حياته عما كان عليه من صلة رحمه، فلعل بقاء هذا الخيط الذي يعرفونه ويقدرونه يكون سببًا في إيمانهم بما أنكروه من دعوته ولم يقدروه حق قدره.
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أبقى على صلته مع أقاربه وهم كفار، فمن باب أولى لعموم المسلمين وخاصة للدعاة أن يبقوا على صلتهم بأقاربهم المسلمين وإن أنكروا منهم بعض السلوك أو جابهوهم بشيء من النفور والتحدي، من أجل أن تكون هذه الصلة سببًا بعد ذلك في عودتهم إلى الالتزام بالدين واحترام دعاته المخلصين.
وهذا لا يتعارض مع المنهج التربوي الذي سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معاملة بعض المذنبين، كما حدث مع الثلاثة المتخلفين يوم تبوك حيث كان الهجر شاملاً حتى مع أقاربهم .. لا يتعارض مع ذلك لأن المقصود في الأمرين واحد وهو الدعوة.
فالإبقاء على صلة الرحم مع من وقعت منهم المخالفات الشرعية يقصد به دعوتهم إلى الهداية والاستقامة، وكذلك الهجر التربوي حينما يكون هو العلاج الناجح في تزكية النفوس وعلاجها من أدوائها فإن المقصود به دعوة أولئك المقصرين إلى الاستقامة على الصراط المستقيم، وكلا المنهجين الدعويين داخلان في الدعوة إلى سبيل الله - تعالى - بالحكمة.
أثر دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في تحطيم الطغيان
الطغيان في اللغة التعدي وتجاوز الحد ( [1] ) .
(1) د. عبد العزيز بن عبد الله الحميدي