وإنه من المفيد جدًّا في مجال الدعوة أن يقوم الدعاة ببيان عظمة الإسلام في كل هذه المجالات، من ناحية أثرها في إصلاح الفرد والمجتمع في هذه الحياة الدنيا، ولكن يجب أن لا يكون هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الدعوة بحيث يُغفل الدعاة مجال الدعوة بالتبشير بالجنة والتحذير من النار، أو يقصرون في ذلك، وذلك أنه بإمكان الكفار أن يدَّعوا بأن لديهم مناهج تقوم بإصلاح الفرد والمجتمع في المجالات المذكورة، وأن يضربوا على ذلك أمثلة واقعية من مجتمعهم المتقدم نسبيًّا في هذه المجالات أو بعضها وهم لا يدركون عظمة الإسلام في هذه المجالات إلا بعد التعمق في دراسته، وقليلاً ما يتم ذلك ولكن لا يستطيعون أن يدَّعوا بأن مناهجهم تلك توصل مطبقيها إلى دخول الجنة والنجاة من النار، فتبقى مناهجهم بذلك مناهج دنيوية، ويبقى في شعور كل مفكر عاقل فراغ في التفكير فيما سيؤول إليه بعد الموت، ولن يجد في كل الحضارات المادية والأفكار البشرية إجابة على سؤاله هذا، وإنما يجده في الدين الإسلامي وحده.
إن في اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - المتكرر طوال حياته الدعوية بالتبشير بالجنة والتحذير من النار دلالة على أهمية غرس الوازع الديني في النفوس حتى يصل المسلم إلى درجة عالية من التضحية بالدنيا من أجل الآخرة، فأما حينما يكون الإعجاب بالإسلام والانجذاب إليه لكونه يحقق لمعتنقيه مناهج عالية في مجالات الحياة الدنيا فقط فإنه لا ينتظر من هؤلاء أن يضحوا بحياتهم ومصالحهم الدنيوية من أجل الإسلام.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم:"فإني لا أملك لكم من الله شيئًا"دلالة واضحة على أنه لا ينجي الإنسان يوم القيامة إلا إيمانه وعمله الصالح، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينقذ من النار حتى أقرب أقاربه، فإن ذلك لا يكون لغيره من البشر مهما بلغوا من الولاية والصلاح.