عن أبي يقظان: «أن رجلاً من المسلمين أتى عبد الله بن العباس رحمة الله عليه بابن له فقال: لقد حيرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكلفة عن ربه، فقال عبد الله: امدد بصرك يا ابن أخي ما السواد الذي ترى؟ قال: فلان، قال: صدقت، قال: فما الخيال المسرف من خلفه؟ قال: لا أدري، قال عبد الله: يا ابن أخي فكما جعل لأبصار العيون حداً محدوداً من دونها حجاباً مستوراً، فكذلك جعل لأبصار القلوب غاية لا يجاوزها وحدوداً لا يتعداها، قال: فرد الله عليه غارب عقله، وانتهى عن المسألة عما لا يعنيه والنظر فيما لا ينفعه والتفكر فيما يحيره.
سئل عطاء عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له: قل فيها برأيك، قال: «إني استحي من الله أن يدان في أرضه برأيي» (2) .
(1) الإبانة 1/ 421 - 422.
(2) الإبانة 432.
رأيت أنني من أجبن الناس عند الوادع، ومن أضعفهم عند ساعة الفراق، ومن أكثرهم شجاً وعاطفة فكنت كلما صاحبت قوما، أزداد هماً على همي، وخوفا من المستقبل المقبل على خوفي ..
وليس ذلك لشي الا مخافة الفراق ..
فان ذلك مما يصدع قلبي .. ويعلم الله.
وقد أثر عن أحد الأصاحب - رضي الله عنهم - أنه سئل:
مالك تستقل من الأصحاب؟!
فقال: خشية الفراق ....
وصدق وربي .. فما أحرها من ضحكات تضحكها الدموع على مسارح الخدود ...
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني *** على كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع *** عليك ولكن خل عينك تدومعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها *** عن الجهل بعد الحلم أسبلنا معا
وهذه الدموع لا تدري أهي من حرارة الفراق، أم من بعد المزار وشطوط الدار كالشمع يبكي وما يدري أعبرته * من حرقة النار أومن فرقة العسل ..
(1) محمد بن سرار اليامي