من الميسور أن يختزل الخطيب الموضوعات الخطابية بما يمثل الجوانب الإيمانية والوعظية ونحوهما؛ حيث إنها موضوعات مطروحة مبحوثة، بل معدة للخطيب إعداداً تاماً من خلال بعض الكتب ومواقع الشبكة العنكبوتية، لكنه بهذا النمط لا يعد مبدعاً في الحقيقة، وليس مستحقاً لحيازة لقب النجومية في عالم الخطابة، إنما النجم الذي يصدق عليه هذا اللقب، هو ذلك الخطيب الثَقِف الذي يَفْتِلُ عضلات لسانه، في حلبة الصراع مؤلفاً بين الأصالة وروح المعاصرة والواقعية التي نفقدها في بعض خطباء اليوم. وهذه الروح، وإن كانت مهمة للخطيب في كل حين، إلا أنها في هذا الحين أهم، حيث تفاقمت فيه المستجدات، وكثرت فيه المغريات والمتغيرات التي تحتاج من الخطيب إلى وعي دائم، ومتابعة دائبة، وفهم شمولي صائب لكل مستجدة لها ارتباط بحياة المسلمين وواقعهم ومشاكلهم ـ وما أكثرها اليوم ـ وبهذه الصورة الواعية الواعدة، يمكن أن يعايش الخطيب هموم الناس، ويصنع من منبره سلماً يرتقي من خلاله الناس لمعالجة أوضاعهم، وتخفيف معاناتهم الممتدة في أودية العناء الشاسعة، وبحور الهموم الواسعة، وبهذا الاقتراب والملامسة لواقع الناس، يكون نتاج الخطيب مثمراً، وعطاءاته موقظة، وكلماته مؤثرة، وإذا كان الخطيب أقرب لملامسة حاجات الناس، كان أَذْكَر في ألسنتهم، وأنفع لجمهورهم «وكلما كان صادقاً في قصده، مهتماً بجمهوره وسامعيه، جاداً في طرحه، محترماً لنفسه، فسوف يحسن الاختيار، ويقدح زناد فكره بجدية نحو الابتكار وحسن الاختيار، يضاف إلى ذلك الظروف المحيطة، والأحوال المستجدة، والأغراض الباعثة التي تستدعي الحديث عن بعض الوقائع، والتعليق على بعض الأحداث، والتفسير لبعض المواقف، وتصحيح بعض المفاهيم» (1) .
(1) عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل