لذلك فإن تربية الدعاة في أسلوبها الحاضر لا تبدأ بمخاطبة عقولهم ببحوث جافة كالتي تتداولها الجامعات، بل تخرجهم إلى جولة واقعية يتفاعلون خلالها مع يوميات الحياة.
إن أول نداء ينبغي أن يسمعه السائر مع ركب الدعوة نداء عبد الوهاب عزام حين يقول:
يا حبيسا بالدور خدن كتأب قارئا من مقال كل عليم
ابرزن للحياة واقرأ سطورا ماثلات لعين كل حكيم [1]
سطور معاملة الناس، ومعرفة أطوار جاهليتهم، والمساعي المبذولة لإصلاحهم، وصبر الأحرار في المحن، وكيف يسبق المراهق المغامر الفاسق الشيخ الحكيم المؤمن.
بهذه السطور تكتشف النفس المعانين فإن الحياة إن خلت من حركة التغيير: فقدت مغزاها، وحركة التغيير إن انحرفت عن حدود حقائق الفطرة: أخطأت هدف المسير، وهدف المسير إن لم تستعن على بلوغه، بما وراء المعادلات العقلية من منح التوكل: طال دربك، وتبدد من جهدك الكثير.
وذاك هو تعليل ما يصيب الدعاة من انخلاع عما حولهم من طبائع التوكل العام، فالأدعية من كل جانب تطرق سمعهم، لكنها لا تلقي منهم الاهتمام، إذ لا تعدو همس طالب غني، أو منتظر لذائذ، إلا صوتا يأسرهم من بعيد عبر القرون، تطرب له قلوبهم، فتنجذب، فتقترب، فتنصت، فتجد نبرة الزاهد سديف بن ميمون، يلقنهم دعاء المفاصلين، ويعلمهم كيف يلبون:
اللهم قد (حكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة. اللهم وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته، واجتمع طريده، اللهم فأتح له يدًا من الحق حاصدة، تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صوره وأتم نوره) [2] .
فتأخذهم إطراقة حين يوازنون: في أيهما كان هذا الصالح أبلغ: أفي كشفه سبب واقع السوء، أم في وصفه الحصاد؟
(1) ديوان المثاني/139.
(2) عيون الأخبار لابن قتيبة 1/ 76.