ولما رد الله الذين كفروا بغيظهم في كل مناسبة، ورعى دعوته حتى شبَّت وقوي عودها، وأحس المشركون بخطر الدعوة على وجودهم، كانت المواجهات المسلحة ولابد أن تكون، فكانت بدر ثم أحد والخندق وغيرها من السرايا والغزوات، ثم كان يوم الفتح الأكبر، فتح مكة.
وصدق الله وعده للمؤمنين وهم بمكة يعذبون، أو وهم في الحبشة يطاردون، أنه ناصرهم على الكافرين.
هذه أبرز صور العداء التي واجهتها الدعوة الأولى، ولا يملك المسلم الذي يعيش في هذا العصر وهو يراجع تلك الصور إلا أن يتساءل (أَتَوَاصَوْا بِهِ) .
إن المحاولات هي ذاتها، وإن أصبحت في كثير من الأحيان أعنف وأشد خطرًا على الدعوة، لازدياد كيد العدو من جهة، ولضعف إيمان المسلمين من جهة أخرى.
ينبغي على الداعية أن يكون صالحا في نفسه بأن يكون تقيًّا، ورعا، زاهدا، صادقا، مراقبًا، مؤديا الفرائض والأركان والنوافل، متتبعا السنة، يشهد الجمعة والجماعة، تاليا للقرآن، ممتثلا معنى العبودية لله تعالى، مصاحبا للأخيار، مجتنبًا الأشرار.
وأن يكون بارا بوالديه، وبرهما خفض الجناح، ولين الكلام، وألا ينظر إليهما إلا بعين المحبة والإجلال والتقدير، ولا يعلو عليهما في مقال ولا حال؛ إلا أن يريد إسماعهما، ويبسط أيديهما في نعمته، ولا يستأثر عليهما في مطعمه ولا مشربه، ولا يتقدم أباه إذا مشى معه، ولا يتقدمه في القول في مجلسه، ويتوقى سخطهما بجهده، ويسعى في مسرتهما بمبلغ طاقته، وإدخال الفرح عليهما من أفضل أعمال البر.
وعليه أن يمتثل الآداب الشرعية والأخلاق الإسلامية من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وعيادة المريض، وشهود الجنازة، وأن يدل على الخير، ويرشد إليه، وأن يتعاهد النصح للناس، وأن ييسر ولا يعسر، وعليه أن يعتزل شرور الناس، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وأن يحسن الظن، ولا يتجسس، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يكذب، ولا يظلم، ولا يبهت، ولا يسخر من أحد، ويجتنب قول الزور، ولا يغش، ولا يخدع، ولا يغدر، ولا يخلف في الوعد، وليحذر من الجدال والمراء والمزاح الذي فيه كذب، أو أذية لأحد، وعليه أن يتواضع ولا يتكبر، ويحلم ويعفو، ولا يظلم ويحمق، وأن يجل الكبير، ويعطف على الصغير، ويسعى بالصلح بين المسلمين، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتجنب ما يقدح في المروءة، ولو كان من المباحات.
وعليه أن يتعاهد نظافته ومظهره، فلا يجعل الناس يروا أو يشموا منه ما ينفرهم عنه، ويتعاهد السنة في ذلك من نتف الإبطين، أو حلقهما، ويقص شاربه حتى يبدو الإطار، ويقلم أظفاره، وأن يكون طاهر الفم على الدوام، فيستعمل السواك، أو ما يقوم مقامه، والسواك أفضل؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للرب.
وعليه أن يتأدب بآداب الإسلام مع الآخرين، فيحسن إلى جيرانه، ويكرم ضيفه، وينصر أخاه ظالما أو مظلوما، وإذا دخل مجلسا فليظهر التواضع الذي عليه المسلم، فيجلس حيث تناهى به المجلس، ولا يفرق بين متصافيين، أو أب وابن، أو أخوين، إلا أن يفسحا له، وإذا أكل أو شرب فليأكل بيمينه، وليشرب بيمينه، ولا يأكل ولا يشرب بشماله؛ إلا من عذر أو ضرورة، وإذا أكل فليأكل مما يليه، إن كان الطعام جنسا واحدا، وأما إن كان مختلفا فلا بأس أن تجول يده في الصحفة، ولا يجوز له إذا أكل مع غيره أن يقرن بين تمرتين، ولا تينتين ونحو ذلك، وحق الطعام أن يسمي الله تبارك وتعالى آكله عند ابتدائه، ويحمده عند فراغه، ويبدأ باليمنى في الانتعال أيضا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في أمره كله.
وينبغي عليه التقيد بجميع آداب الإسلام، فإذا تثاءب فيكظم ما استطاع، ويضع يده على فيه، وإذا عطس فليغض من صوته ما أمكنه، ويعلن بعدها حمده لله تعالى، ويُسمع من يليه، فإذا قال له من سمعه: يرحمك الله فليرد عليه بـ: يهديكم الله ويصلح بالكم كما ورد.
ومن حسن الأدب إذا تجشأ أن يخفي صوته ما استطاع، ويكره له أن يتناجى مع آخر ومعهما ثالث، وغيرها من الآداب التي لا تخفى.
إذا عرف الداعية إلى الله تعالى ما يدعو إليه؛ فالواجب عليه قبل أن يباشر الدعوة إلى الله، ويخوض غمارها، ويدخل ساحتها: أن يتسلح بالعلم الشرعي، وهو ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب، والحكمة، ومعرفة ما أراد الله من ذلك وفهمه على نحو ما فهمه الصحابة والتابعون وأتباعهم من أئمة الهدى والدين في الأمة، حتى يحقق شرط البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن نجاح الدعوة إلى الله تعالى مرهون بهذا العلم الموروث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي نقله إلينا أصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - نقلًا صحيحًا، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وكانوا أدرى الناس بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، وكانوا معه في ظعنه وإقامته، وفي سلمه وحربه، وفي أيام فرحه وترحه، بل لم يفارقوه لا في خلوة ولا جلوة، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم على علم، وميزهم من بين عباده بما جبلهم عليه من الأمانة والصدق والفهم، وقد رضي عنهم وأرضاهم، وجعل قلوبهم بيضاء نقية أطهر قلوب العباد بعد قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا على الهدي المستقيم.
الوحي هو مصدر العلم:
والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أن الله تعالى قد جمع لنبيه صلى الله عليه وسلم أفضل علوم الأنبياء والمرسلين قبله وأصحها وأكملها، وزاده عليها مما فيه هداية الخلق وصلاحهم ونفعهم في الدنيا والآخرة، وأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بمهمة التبليغ أتم قيام، وأداها أكمل أداء، فبين للأمة ما أنزل إليه من ربه: بقوله وفعله وتقريره بيانا شافيا لا مزيد عليه، فما من خير يعلمه لهم إلا دلهم عليه، وأرشدهم إليه، وما من شر يعلمه إلا حذرهم منه ونهاهم عنه، تحقيقا لقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (1) .
وقول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (2) .
ولما تلا الحسن البصري رحمه الله قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1) قال:"هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله" (2) .
مدى حاجة العباد إلى الرسل:
وضرورة العباد إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث، والصحيح من السقيم، من: الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، والأحوال على التفصيل إلا من جهته صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل إلى الفوز بالسعادة في المعاش والمعاد إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (3) .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (1) .
وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (2) .
فأي حاجة فرضت، وأي ضرورة عرضت؛ فحاجة العباد، وضرورتهم إلى معرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهُدى ودين الحق فوقها بكثير، لأن الأنبياء هم المُبلّغون عن الله تعالى، وهذه المعرفة الضرورية لا تتحقق إلا بالعلم الصحيح، ولا يمكن للناس أن يعرفوا هذه الأمور إلا بالتعليم والدعوة، وهذه هي مهمة الدعاة إلى الله تعالى الذين ورثوا هذا العلم.
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (3) .
(1) التوبة: 128.
(2) النحل: 44.
(1) فصلت: 33.
(2) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 102) .
(3) الجمعة: 2.
(1) الأعراف: 157.
(2) النور: 54.
(3) صحيح أخرجه: أحمد (36/ 46) ، وأبو داود (4/ 57، 4/ 414) ، وابن ماجه (1/ 81) . انظر للفائدة والاستزادة: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1/ 147) .
قصص من لهو الدعاة