_ ومن فقه الإصلاح: سلوك سبيل السر والنجوى، فإن النجوى وإن ذُم أصحابها إلا إنه استثنى منها ما كان أمرًا بصدقة أو معروف أو سعي بالإصلاح بين الناس (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) .
فإن من الخير في باب الإصلاح أن يسلك المصلح مسلك النجوى والمسارة؛ لأن من عرف أحوال الناس في المنازعات والخصومات أدرك ما تسعى إليه النفوس، وينادي به الهوى والشيطان، من حب الغلبة وانتصار النفس وعدم الظهور أمام الناس بمظهر المتراجع وإن كان على غير الحق. وهنا يأتي مسلك السرية فيذهب أهل المروءات إلى هذا في بيته فيكلمونه بعيدًا عن عين الخصم وأعين الناس، فيكون هذا أرجى للإصلاح بإذن الله.
_ ومن فقه الإصلاح: استعمال المعاريض في الكلام والكذب إذا لزم الأمر، فقد أجاز الشارع الحكيم للساعي بالإصلاح أن يكذب لهذه المصلحة الكبرى، خصوصًا ما يحتاجه من مسالك السر لتحسين صورة الخصم أو لتقريب ما بين الخصوم؛ ففي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا". وروى الترمذي وقال: حديث حسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: رجل يصلح بين اثنين، والحرب خدعة، والرجل يصلح امرأته".
فالكذب كله حرام إلا في هذه المواطن لحاجة الناس إليه فيها للإصلاح لا للإفساد، ولذا رخص فيه الشارع في هذه المواطن دون غيرها. قال نعيم بن حماد: سألت سفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر من الشيء عسى أن يكون قد فعله، فيحرف فيه القول ليرضي صاحبه. أعليه فيه حرج؟ قال: لا.
_ ومن فقه الإصلاح: أن يتحمل الساعي بالصلح بين الخصمين عن أحدهما أو عنهما حمالات للإصلاح بينهما كدية قتيل أو غرم مالي أو غير ذلك، فله أن يأخذ من الزكاة، فإنه مصرف من مصارفها، كما قال تعالى: (والغارمين) .